الشحرورة صباح التي تحدّت الزمن وغنّت للجمال

الأحد 2014/11/30
الشحرورة بنت الضيعة شاغلة الناس وعاشقة الحياة

برلين ـ كانت عقود القرن العشرين الأولى، سنوات حافلة بالفن والتمرّد في لبنان ومصر وسوريا والعراق والمغرب العربي، وكان المقبلون على هذا العالم في الغالب، من سكّان المدن، الذين يتحمّلون ضريبة العمل في مجالات ستعود عليهم باللوم والعزلة من قبل مجتمعاتهم التي كان يغلب عليها الطابع المحافظ مهما تنوّعت أديانها أو أعراقها.

ولكن كان من بين هؤلاء، من أغوته المغامرة، وجذبته أنغام الطرب إلى مجاهلها، من أماكن بعيدة، من ضيع وقرى في الجبل، ومن صحارى وبوادٍ أبعد ما تكون عن عالم المدينة المعقّد.

من هؤلاء، ومن ضيعة صغيرة، أتت جانيت فغالي، التي عرفت فيما بعد بـ”صباح” الشحرورة، صبية شقراء، مليئة بالحياة، ووهج الشمس اللبنانية وسط غابات الأرز، ولدت في العاشر من تشرين الثاني من العام 1927 في بلدة بدادون في وادي شحرور، لأسرة من الفلاحين، يعيلها الوالد، الذي أصيب بموت ابنته جولييت، فقرّر الهرب من الضيعة إلى بيروت، حين كان عمر جانيت سبع سنوات، ولكن قبل ذلك كانت جانيت قد رافقت أهلها إلى منطقة جل الديب لزيارة أقاربها، فأخبروها أن في الجوار كنيسة قريبة، كل من دخلها وصلّى وتمنّى أمنية، حققها الله له، فتسللت في غفلة من أهلها، وجثت على ركبتيها أمام المذبح وصلّت وأخذت تذرف الدموع ولفظت الكلمات التالية: “يا رب، أريد أن أصير مطربة مشهورة، حقِّق لي أمنيتي يا رب”.


بين الراهبات


وكانت بيروت الثلاثينات مدينة الهجرات والحرية والفرنسيين والطوائف، كانت مدينة عالمية، استطاعت أن تحرّر الصوت القادم من الجبل من خجله، وتطلقه إلى آخر مدى في الحنجرة، فكانت جانيت تغني في المدرسة، مدرسة الراهبات التي درست فيها، حيث أعلنت الراهبات عن نيتهن تقديم مسرحية بعنوان “الأميرة هند”، فسجلت جانيت اسمها فيها، وقدّمت الدور، فهمس الناس للوالد، بأن يفتح الباب لابنته لدخول عالم السينما، فلم يمانع، وبعد فترة التقت صباح بكنعان الخطيب، مدير إذاعة صوت أميركا، فاستمع إلى صوتها، وقدّمها لمقر الصحافة اللبنانية، بعد أن وجّهها نحو الموشحات والمواويل، التي اشتهر بها عمّها “شحرور الوادي”، ومن مقرّ الصحافة بدأ الناس يذكرون اسم جانيت فغالي، حتى وصل إلى مسامع آسيا داغر المنتجة اللبنانية المقيمة في مصر، فلم تنتظر طويلاً، بعد رأت فيها نبوءة غير عادية، وعرفت أنها ستكون نجمة المستقبل، فكلّفت مدير أعمالها في لبنان، قيصر يونس بعقد اتفاق احتكار مع جانيت، لثلاثة أفلام سينمائية دفعة واحدة، على أن تتقاضى 150 جنيها مصريا عن الفيلم الأول، ويرتفع السعر تدريجيا، وافقت جانيت وذهبت إلى مصر مع والدها ووالدتها، للقاء آسيا داغر في منزلها بالقاهرة، وتم تكليف الموسيقار رياض السنباطي بتدريبها فنيا، ووضع الألحان التي ستغنيها في الفيلم الذي ستختاره لها آسيا داغر، التي كانت قد نشرت صورة لجانيت على غلاف إحدى المجلات الفنية، وطلبت، من القراء اختيار اسم لصاحبة تلك الصورة، فأرسل القراء مقترحاتهم، ليسميها الناس صباح.

قالت إنها انتقلت إلى مصر للبحث عن المستقبل، وفي شارع فؤاد في القاهرة، كانت الخطوات الأولى، وبدأت تمشي على الطريق التي ستكون طويلة لن تنتهي بوفاتها عن سبعة وثمانين عاماً قبل أيام، ففي العام 1944، اختارت لها آسيا داغر المخرج السينمائي هنري بركات، ليشرف على موهبتها، وليظهرها لأول مرّة في فيلمه “القلب له واحد”، فظهرت وحدها، صبية لبنانية، شقراء، خفيفة الظل، مبتسمة، شقية ومرحة، وانهالت عليها عروض الملحّنين والمخرجين من تلك اللحظة.

لم تشرب صباح الكحول طيلة حياتها، ولم تعرف من عالم الليل سوى الغناء، فبقيت مدللة من قبل الجميع، رقيقة يحرص الجميع على لمسها بوداعة، ولم يرغب أي من أزواجها بتركها، ولكنها كانت تغادرهم بنفسها


النجمة في قاهرة النجوم


زكريا أحمد ومحمد القصبجي وفريد غصن ورياض السنباطي ومحمد عبدالوهاب وفريد الأطرش، كل هؤلاء الكبار، حرصوا على أن تغني ألحانهم بصوت النجمة الجديدة، كما لحقها أهل لبنان من مواطنيها الموسيقيين إلى مصر، لتغنّي ألحانهم، أغانيهم، مثل نقولا المنّي وفيلمون وهبي فيما بعد، وكانت صباح قد أصبحت قادرة وقتها على التمييز، فصنعت لصوتها شخصيته اللحنية، ولكنها حرصت على التنويع، فلم تكتف بالملحنين الكبار، ولكنها التفتت إلى التعاون مع محمد فوزي ومحمود الشريف، ومنير مراد وكمال الطويل وبليغ حمدي ومحمد الموجي، حتى أخذ الملحنون المصريون يقولون عن صباح: “دي بتاعتنا”.


أمام فيروز


ولأن صباح كانت قد سبقت فيروز إلى الشهرة، فهي لم تجد فيها منافسة لها، بقدر ما شعرت بأن وجود فيروز بنمطها المتبتّل، يبرز شقاوة شخصية صباح أكثر، ويظهر التناقض بينهما، في الأغاني والحياة، ولكنها لم تتردد في أداء أغانٍ من عالم الرحابنة، فغنّت أغنيتها الشهيرة” عالندى الندى”، التي غنّتها ذات يوم باللغة الفرنسية فأثارت جمهورها بأغنية لبنانية عالمية، واستمرت في احترام ابنة بلادها، والحديث عنها كإحدى معجباتها، لكنها كانت تعيش على زهد فيروز في الظهور، فتبالغ في الظهور وعشق الحياة.


عالضيعة من جديد


لم تغب الضيعة عن صوت صباح، ولم تغب عن خيالها، ولا عن خيال ملحنيها، فأغنيتها “عالضيعة يما” التي لحنها الموسيقار محمد عبدالوهاب، تصوّر في كلماتها دراما حب رقيقة، عن حياة صباح ذاتها، “جينا نبيع كبوش التوت، ضيّعنا القلب ببيروت، يا شماتة شباب الضيعة، عالضيعة يما عالضيعة، لمين بدنا نحكي قصتنا؟ يا مصيبتنا ويا جرصتنا، هالشب السبّب لوعتنا، بايع قلبو طنعشر بيعة”، كلمات ساحرة، بسيطة، رشيقة، مع موسيقى عميقة وفرحة وشجنة، هذه كانت معادلة أغاني صباح التي لا تقاوم.


الحب والزواج


أرادت صباح أن تعيش، وكانت أكثر صدقا من جيلها ومن طبقتها من الفنانين، فكانت تغامر في الحب والحياة، وتتحدث عن مغامراتها تلك، بلا عقد، خالطت الناس، وتحولت قصص حياتها إلى يوميات لهم، وعناوين أغانيها إلى “أفيهات” في حياتهم، تزوّجت تسع مرات، وكان أول أزواجها نجيب شماس، وهو والد ابنها البكر الطبيب صباح، عاشت مع شماس خمس سنوات، ثم انفصلا لتتزوج من أحد أعيان الخليج، ثم انفصلت عنه، لتتزوج من الموسيقي أنور منسي، وتنجب منه ابنتها هويدا، ثم انفصلت عنه، لتتزوج الإعلامي المصري أحمد فراج، ولكنها انفصلت عنه بعد ثلاث سنوات، لترتبط بالممثل العملاق رشدي أباظة، ثم من الممثل يوسف شعبان، ثم من النائب اللبناني يوسف حمود، ثم من وسيم طبارة الكاتب اللبناني المعروف، ثم فادي لبنان الذي عاشت معه سبعة عشر عاماً، ثم انفصلت عنه، وتزوجت غيره.

لم تشرب صباح الكحول طيلة حياتها، ولم تعرف من عالم الليل سوى الغناء، فبقيت مدللة من قبل الجميع، رقيقة يحرص الجميع على لمسها بوداعة، ولم يرغب أي من أزواجها بتركها، ولكنها كانت تغادرهم بنفسها، قالت إنهم كانوا يستغلون شهرتها، وكانت شديدة الكرم، ورغم خلافها الدائم مع ابنتها هويدا، إلا أنها باعت آخر ما تملك (منزلها) لتعالج ابنتها من الإدمان، وانتقلت للعيش في فندق، وبقيت تملك قصراً التزمت بتأجيره لسيدة لبنانية بمبلغ مئة دولار سنوياً، ورفضت أن تسترده حتى لا تبيعه، كي يبقى إرثاً منها لابنها من بعدها.

التقت جانيت بكنعان الخطيب، مدير إذاعة صوت أميركا، فاستمع إلى صوتها، وقدّمها لمقر الصحافة اللبنانية، بعد أن وجّهها نحو الموشحات والمواويل، التي اشتهر بها عمّها "شحرور الوادي"


أناقة الشحرورة


من يستطيع أن ينكر أن صورة لبنان، كانت هي تلك التي قدمتها صباح، بأناقتها في اللباس والمظهر، والحضور، كانت تقول: “أتمنى إذا خسرت ثروتي ألاّ أخسر جمالي وأناقتي”، حصلت على العديد من الجوائز التكريمية، وكرّمها رئيس الجمهورية اللبنانية السابق ميشال سليمان بتقليدها وسام الأرز الوطني برتبة ضابط أكبر ضمن مهرجانات بيت الدين 2011. و قدّم عنها مسلسل تلفزيوني من بطولة كارول سماحة.


حصيلة الأعوام


قدّمت صباح أكثر من ثمانين فيلماً سينمائياً، مع كبار الممثلين العرب، مثل رشدي أباظة، وأحمد مظهر، ومحمد فوزي، وفريد الأطرش، وسبعة وعشرين مسرحية مثل “موسم العز″ و”دواليب الهوا” و”القلعة” و”الشلال” و”فينيقيا” و”شهر العسل” و”ست الكل” و”وادي شمسين”. و”كنز الأسطورة” هي آخر مسرحية قدمتها مع زوجها السابق فادي لبنان. وكانت تحمل إضافة إلى الجنسية اللبنانية، ثلاث جنسيات أخرى هي المصرية والأردنية والأميركية، أما الأغاني فقد سجلت بصوتها أكثر من أربعة آلاف أغنية، وغنت في أنحاء العالم، في مسرح الأولمبيا في باريس وفي نيويورك وسيدني وبلجيكا ولندن ولاس فيغاس ومسارح وقاعات ودور أوبرا كثيرة في أصقاع الأرض.


أيقونة الأجيال


وبعد موتها بساعات انتشر نص قيل إنه وصيّة صباح، وهو ما أملته على أقاربها، وأعلنته ابنة شقيقتها كلودا عقل، التي قالت إنها ذهبت لربها وأحبّتها الذين سبقوها، قالت صباح في وصيتها للناس، إنها تودعهم وتوصيهم بعدم البكاء وبالفرح والرقص وإنها تمنت أن يكون يوم وفاتها يوم فرح وليس حزناً.

فقد جمهور صباح، قبل سنوات طويلة، فكرة متابعة حياتها، رغم كثرة الإشاعات التي تلاحقها، وتلاحق زيجاتها، ويومياتها، وما استطاعت صباح أن تحققه في وعي الناس، هو فصل الفنان عن حياته وعن تقدمه في العمر، فبقي الناس يحبون “الصبوحة”، ولم ينظروا إلى المرأة التي يأكل الزمن من جمالها، ويتغيّر شكلها مع مرور الأعوام، احتفظوا بها كأيقونة نادرة، واحتفظوا بمغامرات أغانيها مع الفنانين، نجومهم بالأبيض والأسود، وحكايات أفلامها التي عرفوها، وتعابير وجهها الفرح المحب للكاميرا وللمشاهد، وحتى ألفاظها البسيطة في أغانيها “الغاوي ينقط بطاقيتو” و”أكلك منين يا بطة” و”عالبساطة البساطة”، فدارت معهم في دورة طويلة استطاعت ببساطتها وعفويتها أن تجعلها دورة لا نهائية، لا تنتهي بالموت.

7