الشحرورة نغم يملأ السكوت

الاثنين 2014/12/01

ملأت صباح كؤوس السعادة للجميع، أحبت الألوان والفرح، واختارت التفاؤل عنوانا لها من ضحكتها الناعمة وأنوثتها الطاغية، إلى لون سجاد منزلها الأبيض بلون قلبها، أحبت الحياة بجنون وانتصرت لـ”جانيت” اللبنانية الرقيقة صاحبة الصوت الجبلي الأخاذ، تأبطت موهبتها واصطحبت أسرتها في رحلة مغامرة لعاصمة الفن “مصر”.

تزوجت كثيرا وأحبت كل الرجال الذين أطلوا على حياتها ولكنها أبداً لم تعشق أيا منهم حد الجنون والذوبان بل ظلت عنيدة، تعطي بسخاء وتمنح برضا وتثأر لكرامتها بقسوة. وحدها التي تقرر متى تغني ومتى تصوم عن الغناء، لها 83 فيلما بين مصري ولبناني، و27 مسرحية لبنانية، وحوالي 4000 أغنية مصرية ولبنانية.

حزنت كثيرا عندما قرأت نعي الصبوحة، لأنها ليست فنانة شاملة فحسب وإنما رمزا لمحبي الحياة، ولا أحد ينسى “ساعات ساعات.. أحب عمري وأعشق الحاجات، أحب كل الناس وأتملي إحساس.. وأحس جوايا بميت نغم، مـــيت نغم يملى السـكات”.

ولا أعلم لماذا كتبوا في نعيها الفنانة اللبنانية، فالصبوحة لا تختزل في لبنان أو مصر أو الأردن، إنها فنانة العرب، لسان العرب على مسرح الأوليمبيا بباريس، ومسارح كبرى مثل، قصر الفنون ببلجيكا، ودار الأوبرا بسيدني، وقاعة ألبرت هول بلندن، ولاس فيغاس وأرنا غري بأميركا وغيرها.

آمن العالم بموهبتها وعطائها الفني المتفرد، وآمنت هي بالمرأة الجميلة التي تسكنها، استمسكت بأناقتها وشبابها ورفضت أن تشيخ أو تحيل موهبتها العظيمة إلى التقاعد، كانت تستمع لخبر وفاتها بأسى كبير، وتتساءل لماذا يتعجلون موتي وأنا لا أرجو لأحد غير السعادة والمرح مازال في العمر بقية، ولكنها أبدا لم تلتفت لأصحاب أنصاف الأكواب الفارغة الذين لا يملكون معنى الحياة ولا يعرفون غير اللون الأسود، ظلت تنظر إلى نصف الكوب المملوء.

وحدها صباح تستطيع أن تحيل الحزن إلى سعادة دون كلام، تنظر فتأسر الجميع وكأن النظرة تخص كل الناظرين واحدا واحدا حتى يشعر كل شخص أنه المقصود، ترقص بمرح فتأخذنا إلى عالم ساحر بعيدا بعيدا، تسافر بنا خارج أنفسنا، وتغرقنا في بحر “الدلع”، تغمرنا مشاعر الحب والنشوة وهي تتغنى “عطشانة” ثم نعود إلى دنيانا لا نتذكر سوى الجميلة التي يملكها الجميع ولا يتملكها أحد.

يعتقد السامع أنه البطل حين تسمعه، من سحر عيونه ياه، والعاشق والمعشوق، ساعات ساعات، تأخذه في جولة سريعة بشارع الحب، فيشعر أن القلب واحد، ويعزف معها لحن حبي أيام اللولو.

وفي ليلة بكى فيها القمر تطلب الشحرورة من الزمن الرقصة الأخيرة لكل أحبائها دون حضورها. الصبوحة كانت رمزا للحياة، وللحب، وللعطاء، كشف موتها الكثير من أصحاب الرايات السوداء، فمنهم من استكثر عليها دموع محبيها، فهي في الموت لم تخلُ من الحسد.

21