الشخصية الانطوائية

الاثنين 2013/08/12

كثيراً ما نسمع أن فلاناً إنطوائي وآخر اجتماعي، وعادة ما تصاغ كلمة الانطوائية في جملة سلبية تاركة انطباعاً لدى المستمع بأن الشخص الانطوائي إما أن يكون مريضاً أو به علة، وفي الحقيقة هو ليس كذلك. الانطوائية والاجتماعية هما سمتان للشخصية تكوّنان التركيبة العامة لشخصية الإنسان إضافة إلى الأبعاد الأخرى التي تساهم في بناء شخصيته. فطبقاً لاختبار ونظرية المايرز – بريجز للشخصية فإن الانطوائية والاجتماعية هما البعدان اللذان يحددان مصدر استمداد الطاقة لدى الإنسان. فعلى سبيل المثال، الشخص الانطوائي أو كما يطلق عليه أحياناً الانفرادي يستمد طاقته من خلال تواجده مع نفسه بكل الوسائل والأنشطة الممكنة من قراءة وتفكير وتحليل وتأمل، بينما الشخص الاجتماعي ويطلق عليه أيضاً الانبساطي فهو يستمد طاقته من خلال تعامله مع الناس بحيث يمثل الناس له مصدر طاقة وحيوية.و

النتيجة هنا أنه لا توجد سمة أفضل من الأخرى ولا يجوز أن نطلق حكماً على أية شخصية بأنها تعاني من مشكلة بمجرد أن الشخص يفضل اللاختلاء بنفسه.

الشخص الانطوائي يمكن أن يكون انطوائياً أمام الغرباء ولكنه مع أفراد أسرته اجتماعي، وهذا طبيعي لأنه يعرفهم وهم يعرفونه وقد تعودوا عليه ولا يطلقون عليه أحكاما كما يمكن للشخص الغريب أن يفعل معه، ولكن بسبب طبيعة التكوين الشخصي فإن معظم الناس يميلون أو يُفضلون جانبا واحدا من هذا البعد في شخصياتهم إما الانطوائية أو الاجتماعية، بمعنى أن أحدهما يسيطر على الآخر في معظم المواقف. من صفات الشخص الانطوائي أنه عندما يكون متعباً يُفضل أن يبقى بمفرده وليس مع الناس، كما يصفه الآخرون بأنه منعزل وهادئ ويصعب عليهم معرفته عن قرب لأنه عادة ما يكون كتوما.

وهو يفكر قبل أن يتحدث، وعادة يكتب ما يريد أن يقول إذا كانت لديه مقابلة رسمية، وهو من النوع الذي يُفضل أن يحتفل بمناسباته الخاصة مع شخص أو شخصين مقربين جداً، كما يشعر بالضيق عندما يكون محط أنظار الناس ولا يرتاح عندما يتواجد في مجموعات كبيرة، وإذا نظرنا إلى علاقاته فهو يكتفي بأصدقاء معدودين ومقربين، كما أنه ينتبه إلى التفاصيل التي يغفل عنها الناس عادة.

الشخص الانطوائي يتعامل مع مشاعره وأفكاره داخلياً أي يتركها للتحليل والنقاش بينه وبين نفسه وهي ليست واردة للطرح والنقاش أمام الآخرين، كما أنه يحتاج، بطبيعة تكوينه النفسي، إلى الوقت قبل الاستجابة لأي مثير في أي وقت، وحتى يستعيد طاقاته فهو يحتاج إلى أن يقضي وقتاً طويلاً بمفرده.

وبشكل عام الشخص الانطوائي يكون خجولا وهادئا لأن الانطوائية هي سمة من سمات الشخصية، فهي ليست بالشيء السيئ كما يظن معظم الناس، ولكنها تتحول إلى جزء سلبي في شخصية الإنسان عندما تكون عائقاً أمامه في النمو إلى درجة الارتباك والتوتر واضطراب نبضات قلبه، كأن تمنعه من التحصيل الدراسي والمشاركة الصفية، أو أن تمنعه من تعلم مهارات التواصل مع الآخرين وينتهي به الأمر إلى فقدان الثقة بنفسه وإلى الاكتئاب.

وإذا كان الأمر كذلك فعلى الشخص أن يتوقف ويتساءل: لم كانت تربيته تختلف عن تربية الآخرين الذين تتسم شخصياتهم بالانطوائية الطبيعية؟

وفي أغلب الأحيان عندما يكون الوالدان أو أحدهما شخصية انطوائية فإن تربيته لابنه سوف تعكس شخصيته، بمعنى أن مثل هذا الأب أو الأم غير الاجتماعي سوف يتجنب المناسبات الاجتماعية التي من خلالها يمكن لطفله أن يتعرف إلى الناس ويتعامل معهم ويتعلم مهارات التواصل، مثل هذين الوالدين يمكن أن يوفرا للطفل الألعاب والأنشطة ولكنهما لا يشاركانه، وعندما يفكران في قضاء الأوقات مع أطفالهما فإن معظم هذا الصنف من الوالدين يقضي وقته بشكل منفرد مع الطفل، وليس كأسرة وهو ما يشجع الطفل على عدم التواصل حتى مع أفراد أسرته.

بشكل عام لا يشجع مثل هؤلاء الوالدين أطفالهم على الاختلاط إما لأن تربيتهم تتسم بالحماية الزائدة وخوفهم على الطفل من التعرض للأذى سواء من الأطفال الآخرين أو من الإحراج.

كما أن طبيعة التربية يمكن أن تفرز طفلاً بشخصية حساسة وخجولة تمنعه من التعاطي مع الناس.

ورغم أن الكثير من الأطفال الانطوائيين يكبرون وهم مرتاحون لأنهم بعيدون عن الناس إلا أن هذا الشعور يتغير مع دخولهم سن الرشد حيث يبدأ الشعور بالوحدة لديهم وبأنهم أقل من غيرهم في المهارات الاجتماعية وفي أحيان كثيرة يصاب الكثير منهم بالاكتئاب.

الاختلاط بالناس يتطلب مهارات اجتماعية وقدرة على التعامل مع ضوضاء المحيط الذي يتواجد فيه الشخص، ولكن بالنسبة إلى الطفل الانطوائي فهو يكون مشغولا بحياته الذاتية ويحتاج دائماً إلى الهدوء، وحتى يستطيع الوالدون تحقيق التوازن في تربية الطفل الانطوائي فهم يحتاجون إلى تذكير الطفل باستمرار بأن المهارات الاجتماعية مهمة للتعامل مع مواقف كثيرة في الحياة مع الاحتفاظ بالخصوصية الذاتية، وأن الطفل عاجلاً أم آجلاً سوف يكون في مواقف تجبره على التعامل مع الناس بمفرده دون وجود الوالدين معه. كما أنه على الوالدين أن ينتبها إلى أن الضغط على الطفل لتغيير شخصيته لن يجدي، إنما عليهما تشجيعه على أن يكون لديه معارف وأصدقاء حتى لا يأتي عليه يوم ويشعر بالوحدة.

21