الشخصية الروائية تحتل الكاتب وتطارد القارئ

تأثرنا كقراء بشخصيات روائية عديدة تفوقت حتى على الروايات التي ولدت فيها، فشخصية زوربا أو آنا كارنينا وأورليانو بوينديا مثلا، أو شخصية زكريا المرسنلي أو مصطفى سعيد، وغيرها الكثير من الشخصيات، ظلت إلى اليوم راسخة في المخيال الإنساني، تعيش معه عابرة الزمن، وصار لها حضور فعلي كأفكار من لحم ودم لكنها لا تموت. من هنا نفهم أهمية بناء الشخصية الروائية أو لنقل خلقها في أي عمل يطمح لأنْ يكون رواية.
السبت 2017/01/28
الشخصيات الروائية تبقى حية حتى لو ماتت على الورق (لوحة للفنان جيسلاف بيكسينسكي)

كثيرا ما تحاصر شخصية روائية ما، القارئ فيعيش فترة من الزمن يردد أفكارها ويستشهد بها في أحاديثه، بل ويبحث عن أعمال أخرى للكاتب بغرض العثور على هذه الشخصية مرة ثانية. هذا عن القارئ، فماذا عن الكاتب الذي يعيش شهورا وسنوات مع شخصية يعمل على بناء علاقتها بباقي الشخصيات وأفكارها، وتاريخها، وبدايتها في العمل الروائي وأين سينتهي بها في عمله، وهل تقترب من الواقع في بعض محطاتها.

“العرب” توجهت بالأسئلة إلى عدد من الروائيين عن الشخصيات الروائية التي حاصرتهم حتى بعد الانتهاء من العمل وكيف استطاعوا التخلص منها؟ وكيف يبررون هذا الارتباط.

عصا الأعمى

يرفض الروائي المغربي الصديق بودوارة محاصرة الشخصية الروائية للكاتب ويعتبر ذلك أمرا سيئا، فمن الناحية النظرية قد ينتج هذا الأمر إبداعاً مذهلاً، ولكن لمرة واحدة فقط، ثم يصبح الروائي بعد ذلك مجرد تابع.

يقول بودوارة “لكن، في واقع الأمر أعترف بأن الشخصية الكامنة في العقل الباطن هي من يكتب، وهي من يحاصر، وهي من يفرض في النهاية شروط المنتصرين”.

ويضيف “في روايتي الأولى ‘منساد‘، كانت السيطرة مطلقة لشخصية الحزين المنهك المليء بالوجع، الذي يرفض الاستبداد، لكنه لا يملك القوة للوقوف بوجهه، وهي شخصية مثالية للشكوى، إنها بالتحديد شخصية البطل المقهور، وعندما أنهيت كتابة روايتي الثانية ‘الكائنات‘، فوجئت بأن نفس الشخصية تمكنت من فرض هيمنتها من جديد، الغريب أن هذا حدث دون أن أنتبه. وأنا أكتب روايتي الثالثة ‘قبل الميلاد‘، أحاول أن أنتبه للأمر، وأن أرفض هيمنة نفس الشخصية، ولكني أخشى أن يقيد هذا الحذر أصابعي فلا أكتب كما ينبغي”.

ويتابع ضيفنا “من أصعب الأمور بالنسبة إلى الروائي أن يتخلص من الشخصية المهيمنة، إنها تتسلط وكأنها روح شريرة تتلبس الحبر فتكتب ما تشاء. لا يخدعك أحد، لكل راوٍ شخصية تقوده، كما تقود الأعمى عصاه، ومن ينكر هذه الحقيقة فهو ينكر صاحب الفضل الأكبر في نزيف روايته، ينكر الحبر الذي كتب به والمخيلة التي قادته عبر دروب روايته”.

من جانبه يقول الروائي المصري مصطفى البلكي إن شخصية محمد جمعة في روايته “بياع الملاح”، هي شخصية الرجل الذي ابتلعته الغربة، ومنح كامل حياته لأهل بيته، الرجل الذي بنى مدفنة بأموال غربته، وحينما مات رفض أولاده تحمل تكلفة استقدام جثمانه. ويقر البلكي بأنه لم يستطع تحييد وجود هذه الشخصية داخله إلا بعد وقت طويل.

من أصعب الأمور بالنسبة إلى الروائي أن يتخلص من الشخصية المهيمنة، إنها تتسلط وكأنها روح شريرة تتلبس الحبر

ولكنه لم يتخلص منه نهائيا، فدائما هناك أثر له، ربما لأنه عاش تلك الفترة، فترة هجرة الرجال إلى البلدان النفطية لكسب المال، تلك الفترة التي أصبحت فيها البيوت خالية من ظلالهم، كما يقول، لذا لم ينفك الكاتب عن تصور طفل صغير يتعلق بخاله الذي يحل محل والده ويرتبط به عبر تلك الصلة، فأي خسارة تعدل هذا العالم الذي يقيم حكمه بطريقة لا تتوافق مع المنطق والواقع، لذلك كان ارتباطه وثيقا بمحمد جمعة أثناء الكتابة.

ويتابع البلكي “كلما مضت الساعات كانت تخلف داخلي أثرا يدل عليه من فرط التراكم أضحى ما بداخلي بيتا له ملك في لحظة من اللحظات جل غرفه، كلما دخلت واحدة وجدته جالسا في تأمل فوق صخرة تشرف على طريق تنهبه السيارات، نوع من العزلة المحببة التي كان يستعين بها على شوقه المتزايد للعودة إلى بلده، تماما كعزلتي حينما أغلق على نفسي غرفة المكتبة لأنصت إلى قطعة موسيقية أو أغنية أو أتصفح كتابا أو حتى أجلس فأكون هناك مع ما مضى من أيام.

في هذا الوجود تصبح للساعات مهما تراكمت نكهتها، فمذاق السكر كلما أضيف أصبح واضحا، وعند الوصول إلى نقطة التشبع تصبح إضافة أي كمية أخرى غير مؤثرة، ثبت الطعم، واستقر، كذلك الوجود، كان هكذا منذ البداية التي رسمت فيها أبعاد الشخصية، ومع الأيام بدأ يكتسب صفة الإقامة، وفي لحظة معينة اكتسبت معه لقب المستقر، وحينما طاب المقام امتزجت مع كل شيء، كل شيء يرتبط به، وكل شيء مسافر إليه بخياله”.

شخصيات سيئة

يؤكد الروائي الجزائري بشير مفتي أنه نادرا ما يشعر بأنه تخلص من تلك العلاقة التي نسجها مع مختلف شخصيات رواياته، حتى عندما ينتهي دورها في الرواية، أو تتوقف عن أن تكون مؤثرة في الأحداث، أو يضع لها حدا نهائيا بالموت مثلا.

نموذج عراقي سحقته أحلامه ومجتمعه

ويضيف مفتي “لفترة طويلة اعتقدت أن النهاية يجب أن تكون مغلقة، أحب فكرة الإخفاق في النهاية، أن يخفق البطل، لا حل آخر، يجب أن يموت وينتهي أمره، فالحياة تنتهي بالموت، ومن فرط ما أكتب عن شخصيات شريرة أو سيئة أو تراجيدية يظهر موتها في النهاية كأنه الحل المثالي، كنوع من التطهير الأخير للذنوب التي اقترفتها في الحياة، حياة الرواية، ربما القراء يكرهون عادة تلك الشخصيات التي تمارس العنف على الآخر، ترتكب الحماقات وتقترف الشر، شخصيا أشعر بالنجاح عندما يخبرني قارئ أنه كره بطل روايتي لأنه جبان، أو ضعيف الشخصية، أو لم يستطع تجاوز محنته، لا أحب البطولات الساذجة والمتوهمة”.

ويتابع الروائي “الشخصيات في الرواية هي مثلنا نحن البشر جزء كبير من حياتها وحياتنا نخضع فيها أكثر، وقد نمر بلحظات قوة أو شجاعة قليلة فنواجه ونصمد ونقاتل، قد يحدث هذا بالطبع، ولكن أميل إلى الظن أننا أضعف في النهاية، أننا لا نقاوم كثيرا، ولهذا أرفض صناعة الوهم، لا أحب من نسميهم الأبطال الإيجابيين، فأنا لا أريد تقديم رسالة للقارئ كي يفهم منها أنني أدافع عن قيمة محددة، عليه فقط أن يتفاعل مع الرواية وشخصياتها ويحبها أو يكرهها.

هذا هو الأثر النهائي المطلوب، وبالنسبة إلي شخصيا أحب شخصيات رواياتي حتى لو كانت سيئة وتخرج عن النموذج العام، لأنها غالب الوقت ترفض أن تكون مجرد صورة مثالية لأحلام البشر الواقعيين، ترفض أن تتنازل عن حقها في أن تكون مثلما لا يريدها الغير، ولهذا تعاطفي معها كبير ونهايتها تزعجني كثيرا، حتى لو كنت أنا من يجهز عليها ويحدد لها نوع النهاية التي أريد”.

كثيرا ما ظن الروائي العراقي ضياء جبيلي أن تخلّص يوسا من لِيْلي أو أوتيلا في رواية “شيطنات الطفلة الخبيثة”، بالمرض ثم الموت أمر غير عادل. لِيلي هي النموذج الأميركي اللاتيني لإيما بوفاري، فكلاهما كانتا تحلمان بما لا تملكانه، وكان الموت مصيرهما المشترك في النهاية والنتيجة غير الحتمية، في رأيه، التي وضعها كل من فلوبير ويوسا بعد جملة من المغامرات الطامحة والفاشلة في تحصيل حياة تظنان أنها تليق بهما.

الصديق بودوارة ومصطفى البلكي وبشير مفتي وضياء جبيلي: لكل راو شخصية تقوده كما تقود الأعمى عصاه

ترفض أن تموت

يقول ضياء جبيلي “أفترض أن يوسا تأثر كثيرا بفلوبير وبإيما بوفاري، الشخصية المحيّرة التي بقيت عالقة في مخيلته فترة طويلة، قبل أن يخلق شخصيته لِيلي.وبهذا، يكون قد تخلص من تأثير بطلة مقروءة، ليقع تحت تأثير بطلته المكتوبة. وعلى الرغم من أن كل ما تقدم هو من قبيل الافتراض والاستنتاج، لكني أزعم أن هذا ما حصل معي تماما.

فقد وقعت تحت تأثير العديد من الشخصيات النسائية المصابة بعدوى الأحلام المخيفة والخطيرة، التي عادة لا تكون في متناول اليد؛ أحلام مدام بوفاري وآنا كارنينا ولِيلي أو أوتيلا اللعوب التي لا تحبذ سماع كلمات الحب المتكلفة. وبالتالي، وجدتني أكتب عن نسرين الحالمة بالنجومية، أو نيتا ليناريس في رواية أسد البصرة، النموذج العراقي الذي سحقته أحلامه ومجتمعه، فقد كرهت أن يتوقف طموحها عند الحد الذي وقفت عنده أمها التي لا تجيد سوى تمثيل الأدوار السطحية في مسرحيات شكسبير”.

ويتابع ضيفنا “لقد مكثت هذه الشخصية التي لا يكاد القارئ يميز بين صدقها وكذبها، طيبتها وخبثها، حقيقتها وزيفها، على مقربة من الأفكار اللاحقة، وشعرت وأنا أقوم ببنائها منذ طفولتها بأني سأضيعها، وكاد ذلك يحصل عندما شككت مرات عديدة في حقيقة أنها هي نفسها نيتا ليناريس الممثلة الإباحية. لهذا، أعتقد أن التخلص منها أمر يخضع لاعتبارات زمنية، ذلك لأنها لم تسمح لي بأن أنهي قصتها بالموت. ولعلي أجد في هذا الأمر تبريراً منطقياً لارتباطي بالشخصيات الرافضة للنهايات التي تقف عند الموت كحل للتخلص من التأثيرات المستقبلية التي تلقي بظلالها على الكاتب”.

15