الشخصية القيادية العابرة للطوائف

الأربعاء 2014/07/23

لا يقرّ الدستور العراقي صراحة بالتحاصص الطائفي، وليس فيه ما يشير إلى أن منصب رئيس مجلس الوزراء مخصص للمكوِّن الشيعي، ومنصب رئيس البرلمان مكرّس للمكون السُني، ومنصب رئيس الجمهورية هو من حصة الكرد حصراً، ولا يجوز أن يحصل عليه تركماني أو كلدوآشوري أو صابئي أو إيزيدي، لكن هذا التحاصص المقيت أصبح عُرفاً وتقليداً كرّسته الأحزاب الدينية المتخلفة التي وفدت إلى سُدة الحكم من وراء الحدود العراقية، كما ساهم في تكريسه سياسيو المكوِّن السُني، الذين لا همّ لبعضهم سوى مصالحهم الشخصية أو الحزبية الضيقة في أبعد الأحوال.

فيما استحوذ الأكراد على منصب رئاسة الجمهورية، وسلّة من المناصب الأخرى الحسّاسة في الدولة العراقية التي توصف غالباً بالفاشلة، التي تضع، دائماً، العراق خارج اهتماماتها، لأن كتلها وأحزابها وشخصياتها السياسية لم تفلح في أن تضع العراق في مقدمة اهتماماتها، فالهُوية العراقية أهم من كل الهُويات الثانوية، سواء أكانت قومية أم دينية أم مذهبية. فما فائدة القومية والدين والمذهب إذا تفكك الوطن وتفرق أبناؤه أيدي سبأ؟

شاعَ في السنوات الأخيرة مصطلح “سياسيو الصُدفة” الذي يكاد ينطبق على الكثير من البرلمانيين العراقيين الذين دخلوا البرلمان بطرق ملتوية يعرفها المواطن العراقي الكريم قبل غيره. وغالبية هؤلاء ليسوا أهلاً لهذه المناصب لأنهم لا يستجيبون لمطالب الشعب العراقي ولم يسعوا إلى تحقيقها، بل بالعكس وقفوا مثل عقبة كأداء تحول دون تحقيق أحلام العراقيين ومطالبهم الشرعية في حياة كريمة يسودها الأمن والاستقرار. وإذا ما استثنينا إياد علاوي، العابر للقومية والمذهبية، فإن غالبية السياسيين في الأحزاب الدينية السُنية والشيعية، منها تحديدا، كانوا أنموذجاً لتكريس الطائفية ما بعد العدوان الأنكلو- أميركي على العراق عام 2003.

فإبراهيم الجعفري، تمثيلاً لا حصراً، لم يكسب ثقة السياسيين الجدد شيعة وسُنة وأكراداً، وربما كان الجعفري من أكثر الشخصيات خطورة على الوضع العراقي، فهو أول من كرّس الطائفية في العراق ووقف موقفاً غريباً في مناهضته لمشروع المصالحة الوطنية مع البعثيين الذين خسروا السلطة، وزُجّ بهم إلى المعتقلات، وحُظِر عليهم العمل السياسي. كما سادت في حقبته أعمال الخطف والقتل والتهجير الطائفي المقيت.

في ظل ذلك الظرف الذي تسيّدت فيه طائفية الجعفري صعد نوري المالكي بالتزكية أو بالمصادفة، وكان الجميع يأمل في تبدل الأوضاع السياسية نحو الأفضل خصوصاً بعد اتباعه لسياسة “فرض القانون” عام 2007، حيث شنّ عملية “صولة الفرسان” على ميليشيا جيش المهدي في البصرة والناصرية وبغداد، ولكن تبيّن فيما بعد أن سبب “الصولة” لا يكمن في مكافحة المليشيات الخارجة على القانون، وإنما لأن جيش المهدي كان يقاوم القطعات الأنكلو- أميركية المحتلة، ويؤرق الغزاة الطامعين في ثروات العراق، والطامحين لتفتيت بنيته الاجتماعية.

كما تبيّن لاحقاً أن المالكي لم يكن مستغرقاً في طائفيته فقط، بل كان منهمكاً بتهميش المعارضين له من مختلف المكوّنات العراقية الكريمة، وإن كانت حصة السُنة والأكراد كبيرة حيث لاحَقَ طارق الهاشمي وصابر العيساوي وأحمد العلواني بتهم وذرائع شتى أقلّها المادة (4) إرهاب أو (4 سُنّة) في إشارة واضحة إلى العسف الكبير الذي لحق بهذا المكون الأصيل، الذي لا يختلف في جوهره عن بقية المكونات العراقية الأصيلة.

كان المالكي، ولا يزال، يقاتل بنَفَسين قومي وطائفي، فلقد بدأت خلافاته تحتدم مع مسعود البارزاني منذ 2012، وقد وصلت حد المواجهة التي أوشكت أن تكون عسكرية لولا التدخلات الأميركية، ولم يتورّع البارزاني من وصف المالكي بالدكتاتور أو الطاغية.

ولو وضعنا طائفية المالكي جانباً، ونحينا موضوع عدم اكتراثه بالمصالحة الوطنية التي تعتبر الركن الأساسي في إرضاء المكوّن السُني أو تطمينه على الأقل، فإنّ هذا الرجل الذي جاء بالمصادفة قد فشل في كل الملفات المهمة في البلد وعلى رأسها الملف الأمني الذي أفضى إلى قتل آلاف مؤلفة من العراقيين، وزجّ عشرات الألوف منهم في السجون من دون محاكمات قانونية اعترضت عليها عشرات المرات المنظمات الإنسانية ولجان حقوق الإنسان الأميركية والأوروبية.

لم يفلح المالكي على ثماني سنوات في تطوير الزراعة والصناعة، وحوّل البلد إلى مُستهلك يستورد كل بضائعه الغذائية والصناعية من تركيا وإيران والأردن وبقية دول العالم، حيث ساهم في تدمير الأمن الغذائي العراقي، وأهدر الموارد الطبيعية من نفط وغاز، كما سكت عن السياسة المائية المروّعة التي تنتهجها إيران وتركيا وسوريا حيث قطعت إيران (42) نهراً ومجرى مائياً متوسطاً وصغيراً كانت تصب في الأراضي العراقية، كما حجبت تركيا وسوريا كميات كبيرة من حصص العراق المائية التي سوف تحوّله، لا سمح الله، إلى أرض قاحلة جرداء.

لاشك في أن المالكي سيبحث عن ملاذٍ آمن بعد أن رفضته غالبية المكوّنات العراقية، وربما يلتمس الحماية من أي إجراءات قانونية سوف تطارده بغية استعادة الأموال المسروقة من العقود الزائفة، والصفقات المشبوهة، والفساد الإداري والمالي.

إن موافقة العراقيين على رئيس جديد لمجلس الوزراء لابد أن تقترن ببعض الاشتراطات الأساسية، أبرزها أن يكون هذا المرشّح عابراً للقومية والطائفية، وأن يكون محافظا على المال العام، وأن يُشرِك المكونات الأخرى في حقَي الثروة وصنع القرار.

ولا نتمنى للعراق أن يمشي القهقرى، وأن يعزف سياسيو الصدفة من جديد على الوتر الطائفي المقيت، الذي سوف يضعنا في مفترق طرق أحلاه مُرّ كالعلقم.


كاتب عراقي

9