الشخص المصاب بالتقليد ضعيف الشخصية يفتقد الثقة بنفسه وقدراته

في حال شعرت المرأة بالغيرة الشديدة من امرأة أخرى، فإنها لا تتوانى عن فعل أي شيء من أجل تحويل الانتباه نحوها. إنها لعبة نسائية تتقنها المرأة لكن هذه الغيرة تتحوّل أحيانا إلى مرض نفسي واجتماعي يتفاقم بمرور الوقت ويدل على افتقاد الثقة بالنفس، حيث تبحث المرأة عن ملامح امرأة أخرى لترسمها على وجهها.
الأحد 2015/05/10
سرقة الشخصية جريمة نسائية غالبا

تشكو ريهام خالد، 28 سنة، التي تعمل بإحدى الشركات الخاصة، من أن إحدى زميلاتها في العمل عادية المظهر لكنها غريبة الأطوار، تميل إلى انتهاج السلوك “الرجالي” بعض الشيء، إذ لا تتورّع عن السب والشتم واستخدام الألفاظ البذيئة في حوارها العادي مع الآخرين، ليس بغرض قذفهم، وإنما مجرد البحث عن لغة خاصة، وهي تميل إلى ارتداء الجينز دائما.

وتضيف أنه بمجرد انضمامها للعمل واحتكاكها بها، بدأت تصرّفات زميلتها تتغيّر في محاولة لتقليدها، فريهام فتاة متميّزة جدا من حيث المظهر، لديها أناقة عارضات الأزياء، لا تتردّد في ارتداء التقاليع أو الصيحات الغربية، وبعد أسابيع قليلة أصبحت مركز اهتمام زميلاتها، بل ومستشارتهن الخاصة في أمور الماكياج والملابس، وتوطدت علاقتها بتلك الزميلة التي شكت منها، ولكنها لم تتخلى عن سلوكها السلبي أو قاموسها الحاد، غير أنها تحوّلت تدريجيا إلى ريهام، فبدأت ترتدي نفس ألوان الملابس ونفس التقاليع الجديدة، والأحذية الرفيعة حادة الكعب بدلا من الحذاء الرياضي، بل وكانت تشتري ملابسها نفسها، ولم تتردّد أو تخجل من التطابق التام بين أسلوب أزيائها وأسلوب أزياء ريهام.

وتروي ليلى سالم، 26 سنة، عن صديقتها المقرّبة راندا.خ ”في أحيان أخرى تكون سرقة هوية الآخر من خلال أفكاره ومشاريعه وخططه في الحياة”، وتضيف: راندا صديقتي منذ الطفولة، كنا في نفس المدرسة والفصل لسنوات ومراحل عديدة حتى فرّقت بيننا الكلية. اخترت دراسة الإعلام واختارت هي علم النفس ثم التاريخ، حتى استقرت بعد ذلك على دراسة علم الاجتماع.

وبعد تخرّجنا من الجامعة والتحاقي بمجال العمل ظهرت الاختلافات في شخصيتنا، ولم يؤثر ذلك على متانة علاقتنا، حتى بدأت أُلاحظ بعض ردود أفعال صديقتي التي لم أكن أُلاحظها من قبل، فهي عندما يبدو عليها الإعجاب بأيّ شيء اشتريته لا تتردّد في شراء شيء يشبهه، بل أحيانا مثله، وأحيانا تطلب مني الذهاب إلى المكان نفسه لشراء الشيء ذاته باللون نفسه، بل كثيرا ما يمتدّ الأمر إلى أصدقائي، فما إن تعلم أنني استعدت علاقة بإحدى زميلات الدراسة حتى أجدها تتصل بها، وكذلك تتعرّف إلى أصدقائي الجدد، وتحاول إقامة صداقات معهم، وإذا حدث وأخبرتها برأي ما أجدها تردّده أمام الآخرين، بل إنها طلبت من إحدى صديقاتنا التي يعمل والدها في مركز مرموق في إحدى المؤسسات الصحفية أن يوفّر لها فرصة الالتحاق بالصحافة، لا لشيء سوى أنني أيضا صحفية.

اللافت أنها تتعلّق بتلك الأشياء فترة ثم تهجرها لتعتنق غيرها، المهم أن تكون تلك الأفكار أو الملابس أو المهنة تخصني، لدرجة أنني اضطررت كثيرا لأن أحجب عنها بعض أفكاري أو مشاريعي الخاصة حتى لا تقلّدني، وفي الوقت ذاته أتجنّب إحراجها، لأنها في كل مرة تقلّدني شكلا أو موضوعا، تظهر الأمر على أنها عثرت على ضالتها التي كانت تبحث عنها.

ومن جهة أخرى، يؤكد شريف عبدالغفار، 27 سنة، أن هناك فارقا بين تقليد شخص واستنساخه، فمنذ أشهر قليلة انضم لمجموعة العمل في الشركة التي يعمل بها فتاة أرستقراطية ذات أسلوب حياة خاص وذوق مختلف، ورغم ذلك فهي طفولية جدا وشديدة التواضع، ويقول: بعد فترة وجيزة بدأنا جميعا نلاحظ أن زميلتنا “أريج” أصبحت نموذجا آخر من الزميلة الجديدة، فهي تقلّدها في طريقة المشي والمزاح والضحك والكلام، فضلا عن طريقة تصفيف الشعر والتودد للأشخاص أنفسهم، واستمر الأمر مدة طويلة حتى عادت إلى طبيعتها.

الشخصية النرجسية لها اضطراباتها، فهي تسرق عطاءات الآخرين وإنجازاتهم في الحياة بنسبها إلى نفسها لحجب الفرص عن الآخرين واحتكارها

أما خالد خيري (42 سنة) فيقول: زوجتي امرأة جميلة وطيبة جدا، لكنها لا تثبت على حال، فهي نظرا لطبيعة عملها تقابل كثيرا من الأشخاص، وتعمل في كثير من المشروعات الفنية، وهذه ليست مشكلة بقدر ما تمثّل مديرتها مشكلة، فهي في كل مرة تعمل تحت إشراف سيدة ما تتحوّل لتوأمتها، فأجدها تغيّر قصة شعرها وتصبغته وتغيّر كل دولاب ملابسها، تفكر وتتكلم وتعمل كما تعمل مديرتها تماما، وما أن تترك زوجتي مشروعها المشترك مع مديرتها وتتحوّل للعمل مع سيدة أخرى، حتى تتحوّل لإنسانة أخرى، ونادرا ما تعلن فترة هدنة تعود فيها للمرأة التي تزوجتها منذ خمسة عشر عاما.

وتحلل الدكتورة عزة كريم أستاذة علم الاجتماع، هذه الظواهر العرضية قائلة: التقليد يعني وجود قدوة أو نموذج أعلى يحاول الإنسان الوصول إليه، وأيّ فرد في مراحل الطفولة يقلد الأب والأم باعتبارهما القدوة والنموذج في حياته، ثم يتطوّر التقليد في مرحلة المراهقة لفنان أو جار، وغالبا ما يكون التقليد ناقص الوعي نظرا لقلة خبرة المراهق، والتقليد سلوك طبيعي ينتابنا جميعا، وهو يحدث للفرد العادي عندما يجد سمات أفضل مما لديه أو سمات تنقصه يحاول اكتسابها، فيراقب الآخر محاولا اكتشاف جذور هذه السمات ونقلها إليه.

أما التقليد المرضي فهو الأعمى والمستمر، والشخص المصاب بهذا النوع من التقليد ضعيف الشخصية، يفتقد الثقة بنفسه وقدراته، وغالبا ما يكون قد تعرّض للنقد اللاذع أثناء تنشئته في الطفولة، وظلت تلك الإساءات كامنة في الشعور واللاشعور معا، فتحاول تلك الشخصية تقليد الشخصيات التي تجد استحسانا في المجتمع وقبولا من المحيطين، وهذا ترجمة غير مباشرة للغيرة، لأن الشخصية المستهدفة تجد قبولا لا تلقاه الشخصية التي أدمنت التقليد.

ولمواجهة هذه المشكلة، تلفت الدكتورة عزة نظر الآباء والأمهات إلى أن تربية الأبناء وتقويم سلوكهم، لا يتم من خلال النقد المستمر أو المقارنة، وإنما بالتوجيه للسلوك الإيجابي وتكثيف جرعة الحنان.

ويقول الدكتور أحمد البحيري استشاري الطب النفسي: إن الشخصية النرجسية لها اضطراباتها، فهي تسرق عطاءات الآخرين وإنجازاتهم في الحياة بنسبها إلى نفسها لحجب الفرص عن الآخرين واحتكارها.

وهذه الطائفة من “اللصوص” إذا جاز التعبير قد تكون من فئة العظماء أو أشباههم الذين يمتلكون قدرا من التميّز، لكنهم يفتقدون الاتجاه الصحيح في الحياة، والنوع الثاني من التقليد هو ما تقوم به الشخصية الاعتمادية، حيث تحاول أن تصبح نسخة متطابقة من شخص آخر، هي شخصية ضعيفة وهشة نفسيا، تفتقد الذاتية والسمات المميّزة، والتقليد قد يحدث بشكل فردي أو جماعي، كما هو الحال بين كثير من الشباب الذين ينغمسون في تقليد مظهر مطرب بعينه، أو أسلوب حياة مجتمع آخر، وهو ما يطلق عليه “الهوس الجماعي”، وهو الذي يعني إجماع مجموعة من البشر على أمر باعتباره مستحسنا.

21