الشرائح المهمشة المسحوقة.. أنين وحنين

الأحد 2017/11/26

في دراسة متأنية للاحتجاجات والتحركات الاجتماعية وحجم الانتظارات لدى الفئات الاجتماعية والشرائح البشرية، نلحظ تفاوتا عظيما في حجم هذه الانتفاضات وطبيعتها ومحتوياتها والشعارات التي ترفع خلالها. ولا يهمنا في الأمر الأبعاد الفكرية والسياسية بقدر ما يهمنا انعكاس كل ذلك على الأسر والمجتمع عموما، وخاصة في الأرياف النائية.

فبالعودة إلى اندلاع شرارة ما أطلق عليه اصطلاحا “ثورة الياسمين” في تونس، وبعد أن طالت دولا أخرى؛ مصر وليبيا وسوريا واليمن عرفت بمسمّى “الربيع العربي”. من قادوا هذه الثورات أو الانتفاضات أو لنقل التمرّد على السلطان بجميع مؤسساته، وقد راعينا في هذه التسميات زوايا النظر المختلفة للموضوع، هم المعدمون الذين يسعون إلى تحسين أوضاعهم المعيشية ولم يكونوا يهدفون إلى اعتلاء سدة الحكم مطلقا.

ما يشدّ الانتباه فعلا لا مركزية التحركات على الأقل في بداياتها، وهي إحالة على موضوعنا الأساسي وهو مركزية السلطة والاقتصاد والثروة والثقافة والتعليم وحتى الحياة ذاتها.

فليس من المصادفة أن يثور سكان المناطق المنسية والمهمشة دون غيرهم أو بالتحديد قبل غيرهم. ولكن بعد سنوات هل تحقق ما ثاروا من أجله؟

تطالعنا على شاشات التلفزيون وبعد أن خمدت نيران الثورات -في تونس على الأقل- وعلى أعمدة الصحف الورقية والإلكترونية وفي خطابات السياسيين في حملاتهم الانتخابية وفي مناسبات استعراضاتهم الكثيرة أن الأسر في هذه المناطق ترزح تحت نير الجهل والفقر المدقع وانعدام أيّ نوع من الرعاية أو الإحاطة المادية أو الصحية أو الاجتماعية وغيرها.

لماذا قامت الثورات وسقطت أنظمة وتغيرت سياسات وتغير أصحاب السلطة والمال والجاه؟ أليس ذلك من أجل أن تحجب المناظر التي تدمي القلوب لأناس؛ آباء وأمهات وأولاد في أعمار الزهور فقدوا آدميتهم للأسف الشديد وأضحت مقارنتهم بغيرهم في المدن والمناطق الساحلية المرفهة غير جائزة تماما. مع اليقين أن حتى المدن والحواضر تحتوي على مثل هؤلاء المعدمين ولكن قد يكون الأمر بأقل عنف وحدّة.

بماذا يمكن أن نجيب أبا أو أما يعجزان عن مداواة إحدى فلذات أكبادهما ويشاهدان موته البطيء فيموتان معه كل يوم. بماذا يمكن أن نصبّر فتاة صغيرة تنضح حياة وأملا بغد أفضل همها الوحيد أن تدرس وتجد مدرسة تستطيع الذهاب إليها دون عناء وفي كل الأوقات وتجد معلما “متعلّما” وبأقل أخطاء يرسمها ويلقنها لها مشافهة وكتابة.

كيف سنجيب أيتاما وأرامل لا يجدون ما يسدّ الرمق. بأيّ وجه سنبرر المركزية اللعينة والتي تأسست زمن الاستعمار واستفحلت في الفترات التي لحقته.

لا ديمقراطية ولا عدل ولا مساواة ولا حتى آدمية إذا لم نستطع فعلا أن نساوي بين جميع عائلاتنا ونثمّن طفولة الصغار ونرعاها ونؤمن معاش الشبان ليؤسسوا هم بدورهم أسرا، سواء كانوا جميعا في الحواضر أو في الجبال أو على تخوم الحدود الملتهبة أو في عمق الصحارى الشاسعة أو في أيّ شبر من أوطاننا العزيزة. وتأكدوا بأن هؤلاء المعدمين والمسحوقين هم أكثر وطنية وحبا لبلدانهم رغم أنها قست عليهم بما لا يدع مجالا للحدّ أو التقييس.

لماذا ازداد الفقراء فقرا بعد الثورات وبعد أن سالت دماؤهم تروي طهارة الأرض لتسقي الزرع الذي أبى أن ينبت في تربة وقع تدنيسها. وازداد الذين ركبوا الثورات ثراء فاحشا فسكنوا الأحياء الراقية المرفّهة والتي لا يمكن لأطفال الأرياف في عمق الجبال أو الصحارى حتى الحلم بأن يكونوا جزءا عارضا منها حتى مرورا دون مكوث.

من المؤلم جدّا أن يتعذّب الصغار من أجل تحصيل العلم ولا يجدون لذلك سبيلا، الكل مسؤول عن ذلك؛ التاريخ والحاضر أو بالأحرى من سطروا التاريخ ويقولبون الحاضر ويدنسون المستقبل.

إنه اغتصاب لحق الطفولة في الحياة، لحقها في آدميتها، لحقها في أن تكون فاعلة في مستقبل بلدانها.

نقرّ بأنه لا وجود لعصا سحرية بيد أصحاب السلطة والمتنفذين في أعلى هرمها ليسوّوا بين المناطق من حيث البنى التحتية والاستثمارات الاقتصادية والمشاريع التنموية. ولكن طموح هذه العائلات وهؤلاء الأطفال بعيش كريم في حدّه الأدنى وبمدرسة يتعلمون فيها بمقاييس متوسطة لكي لا نقول عادية شأنهم شأن كل التلاميذ في أصقاع الأرض.

حلمهم بسيط وأقل بكثير من أرقام مشاريعكم التي يعجزون حتى على عدّ أرقامها. إنهم وبكل بساطة يريدون أن يجتمع شملهم في إطار أسرة ترضى بالقليل من أجل أبنائها وتحلم أحلاما وردية ولكنها أيضا بسيطة، إنهم فقط يريدون أن يعيشوا بالقدر الأدنى الذي يحفظ كرامتهم وآدميتهم الحقة، تأكدوا أننا شاهدنا من يعيش منهم في حفر أشبه بحفر الأرانب، إنه عار على الإنسانية أن تبتذل الإنسانية إلى هذا الحدّ.

لنضع اليد في اليد وننسى تعاسة السياسة التي تفرق ولا تجمّع ونكون إنسانيين مع أطفال في أعمار الزهور.

كاتب تونسي

21