الشراهة وسوء التغذية يعيقان كسر الحلقة المفرغة للبدانة

معهد أبحاث السرطان في بريطانيا يقول إنه من المتوقع أن تصبح السمنة من أكثر العوامل المسببة لمرض السرطان لدى النساء متجاوزة بذلك التدخين وذلك بحلول عام 2043.
الأحد 2019/07/21
البدانة قد تكون نتيجة عوامل وراثية

تعد البدانة والزيادة في الوزن من أكثر المعضلات التي يصعب على الفرد والهيئات الصحية السيطرة عليها وعلى عواقبها. فالبدانة ليست مجرد ظاهرة عابرة وإنما هي نتيجة عوامل متشابكة ومعقدة لا تزال إلى اليوم محل الدرس والبحث. وكثيرا ما يرجع الباحثون تنامي هذه المعضلة إلى العادات غير الصحية والجينات الوراثية وتنوع المذاقات “المغرية” للوجبات السريعة وانخفاض أسعارها.

تونس - كشف التقرير السنوي الجديد لحالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم الذي صدر عن منظمة التغذية والزراعة (الفاو) عن تواصل معدلات زيادة الوزن والسمنة وارتفاعها في جميع المناطق، وخاصة بين الأطفال في سن المدرسة والبالغين. وشدد التقرير على أن هذه الظاهرة تمثل تحديا كبيرا ينضاف إلى التحديات الأخرى التي تواجه هدف تحقيق التنمية المستدامة المتعلق بالقضاء على الجوع بحلول عام 2030.

وحذر التقرير من تزايد عدد الأطفال دون سن الخامسة الذين يعانون من زيادة الوزن (الوزن الزائد بالنسبة إلى الطول) إذ يصل عددهم إلى حوالي 40 مليونا، فيما بلغ عدد الأطفال والمراهقين في سن المدرسة ممن يعانون من زيادة الوزن مليونا. أما البالغون الذين يعانون من البدانة فقد بلغ عددهم 672 مليونا (13 بالمئة أو 1 من كل 8 بالغين).

وكانت منظمة الصحة العالمية قد أشارت في تقرير سابق لها إلى أن 39 بالمئة من البالغين على مستوى العالم يعانون من الوزن الزائد، فيما يعاني 13 بالمئة منهم من مرض البدانة. وتقول المنظمة إن 42 مليون طفل في العالم دون الخامسة كانوا يعانون من زيادة الوزن أو البدانة في عام 2013.

ويتفشى وباء السمنة بشكل خطير في جميع أنحاء العالم وأعداد المصابين به في تزايد مستمر ولا يبدو أن الأمر مرتبط بالشراهة في الأكل بقدر ما هو مرتبط بالوجبات السريعة الرخيصة التي تزيد فيها نسبة الدهون، وفق ما يؤكده عدد من خبراء التغذية.

وتعد السمنة سببا رئيسيا للموت المبكر وواحدة من أكثر مشكلات الصحة العامة في القرن الحادي والعشرين خطورة لمعظم دول العالم، وفق ما يؤكد الأطباء وخبراء الصحة على حد سواء.

وقال معهد أبحاث السرطان في بريطانيا إنه من المتوقع أن تصبح السمنة من أكثر العوامل المسببة لمرض السرطان لدى النساء متجاوزة بذلك التدخين وذلك بحلول عام 2043.

وأضاف المعهد أن 12 بالمئة من النساء المصابات حالياً بالسرطان بسبب التدخين و7 بالمئة بسبب السمنة الزائدة، إلا أنه من المتوقع اختفاء هذه الفجوة في غضون 35 عاماً بسبب توقع انخفاض عدد المدخنين وارتفاع معدلات السمنة. وتشير تقديرات معهد الأبحاث إلى أنه بحلول عام 2035، يمكن أن تكون 10 بالمئة من حالات السرطان لدى النساء (نحو 25 ألفا) لها علاقة بالتدخين، و9 بالمئة (حوالي 33 ألفا) مرتبطة بالوزن الزائد.

وأضافت أنه في حال استمرار الأمر هكذا، فإن الوزن الزائد والسمنة المفرطة قد يكونان وراء ظهور المزيد من حالات الإصابة بمرض السرطان لدى النساء أكثر بكثير من التدخين.

ويسود الاعتقاد بأن وباء السمنة مرتبط بالشراهة في الأكل، إلا أن البعض من الخبراء قد ربط البدانة أيضا بالوجبات السريعة الرخيصة التي تزيد فيها نسبة الدهون.

الخبراء يدعون إلى تشديد الرقابة على مصادر الغذاء واستحداث معايير عالمية لتسويق الأغذية لحماية صحة الأطفال

وقالت الباحثة كرستينا روبرتو التي تعمل في معهد تشان للصحة العامة التابع لجامعة هارفارد “ينبغي تغيير فهمنا لمشكلة البدانة بشكل جوهري إذا كان لنا أن نوقف وباء البدانة العالمي وندحره”. وأضافت “فمن جانب، ينبغي لنا أن نعترف بأن الناس يتحملون مسؤولية صحتهم، ولكن من الجانب الآخر يجب أن نعترف بأن البيئات الغذائية السائدة في عالم اليوم تستغل نقاط ضعف الناس البيولوجية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية وتسهل عليهم تناول الأغذية غير الصحية”.

كما دعا الخبراء إلى تشديد الرقابة والسيطرة على مصادر الغذاء بما في ذلك استحداث معايير عالمية لتسويق الأغذية من أجل حماية صحة الأطفال، والتأكد من نوعية الأغذية المقدمة للتلاميذ في المدارس، وفرض ضرائب على الأغذية غير الصحية، ودعم أسعار الأغذية الصحية للأسر الفقيرة، وإجبار المنتجين على وضع علامات واضحة على منتجاتهم لإجبارهم على إنتاج أغذية ذات منافع صحية أكثر.

وحثّت دراسة جديدة لمنظمة الصحة العالمية، نُشرت في دورية “لانسيت” العلمية، الحكومات على اتخاذ إجراءات فورية للحد من تسويق الأطعمة والمشروبات غير الصحية والمليئة بالسعرات الحرارية والسكريات والموجهة للأطفال ومنع توافرها في المدارس.

ونصحت أيضا بمساعدة الفقراء من أجل الحصول على أطعمة صحية واتخاذ إجراءات تضمن أن يكون الجهد البدني جزءا من “النظام اليومي والدراسي” في المدارس وغيرها من منشآت رعاية الأطفال.

وترتفع معدلات البدانة في مصر بشكل كبير إذ احتلت مصر المرتبة 17 بين قائمة الدول الأكثر بدانة في العالم، حيث يعاني 33 بالمئة من الشعب المصري من البدانة، تليها الكويت وقطر والسعودية والبحرين.

ولا تشذ تونس عن بقية دول العالم في مجابهتها لظاهرة السمنة، حيث أكد تقرير “الفاو ” أن عدد المصابين بها بلغ 2.3 مليون في الفترة الممتدة بين 2016 و2018.

وقد كشفت رئيسة الجمعية التونسية للعلوم الصيدلية، شاذلية فندري، أن نسبة زيادة الوزن في صفوف التونسيين تقدر بـ50 بالمئة. وأشارت إلى أن الزيادة في الوزن والسمنة تسجل نسبا أكثر ارتفاعا لدى الإناث مقارنة بالذكور. وأضافت أنه جرى تصنيف تونس في مراتب متقدمة عالميا في قائمة الشعوب الأكثر بدانة في العالم.

وأوضحت فندري أن انتشار السمنة يعود بالأساس إلى تغير نمط العيش وتدهور العادات الغذائية لدى التونسيين وعدم ممارسة الرياضة واختلال أوقات الأكل وتناول الوجبات الغذائية السريعة. كما حذرت من أن زيادة الوزن والسمنة تؤديان إلى الإصابة بأمراض القلب. من جهتها أكدت الأستاذة الجامعية بكلية الصيدلة بالمنستير، أسماء أم الزين، أن ظاهرتي زيادة الوزن والسمنة سجلتا زيادة هامة في السنوات الأخيرة نتيجة تغير سلوكات وأنماط المجتمع معتبرة أن العوامل الجينية تؤثر بصفة مباشرة في انتشارهما.

وأكدت مريم المشري، أخصائية التغذية لـ”العرب”، ارتفاع نسبة السمنة لدى التونسيين، خاصة في صفوف الأطفال البالغين من العمر بين 3 و4 سنوات. وأرجعت المشري ذلك إلى العادات الغذائية والسلوكية السيئة التي يعتمدها الأولياء تجاه أطفالهم.

الوجبات السريعة خطر محدق
الوجبات السريعة خطر محدق

وقالت إن الأمهات يصررن على إدخال مواد غذائية تزداد فيها نسبة السكريات في غذاء أطفالهن في سن مبكرة مثل الحلوى بأنواعها والشوكولاتة وحتى المشروبات الغازية ودعت إلى تعويضها بالغلال ذات المنافع الأكثر والأقل احتواء على السكريات.

وأضافت أخصائية التغذية أن عددا من الآباء يمنعون أطفالهم من المشي حتى لمسافات قصيرة، عن غير قصد عبر اصطحابهم في السيارات.

وقالت إن ذلك من شأنه أن يقلل حركتهم وبالتالي يجعلهم غير قادرين على حرق الدهون التي اكتسبوها من أكل اللمجات أو الأطعمة الجاهزة والسريعة، هذا إضافة إلى ما أنتجته التكنولوجيا الحديثة ووسائل الاتصال (الهواتف الجوالة واللوحات الرقمية) التي ارتهنت الأطفال وجعلتهم يقضون مجمل الوقت أمامها.

ونصحت المشري الأولياء بأن يتركوا أطفالهم يمارسون أنشطتهم الحركية لوقت أطول مثل اللعب بالكرة مع الأقران أو المشاركة في الألعاب الجماعية التي يبذل فيها الطفل مجهودا مضاعفا للتنافس فتكون نسبة حرق الدهون لديه أكثر.

وقالت من الأفضل أيضا أن يشرك الأولياء أطفالهم في نواد تمارس فيها الرياضة أو بعض الألعاب الأخرى.

أما بالنسبة للمتقدمين في السن، توصي الأخصائية الغذائية بممارسة رياضة المشي وشرب كميات هامة من الماء والابتعاد عن التوتر وقلة النوم وأخذ نصيب من الراحة ما من شأنه أن يقلل من نسبة الدهون المكتنزة بالجسم.

كما أشار رئيس الجمعية التونسية للجراحة الأيضية والبدانة، مراد علالة، إلى أن البدانة أو السمنة تعتبر السبب الأول للأمراض التنفسية والقلب والكبد والسكري وغيرها من الأمراض المزمنة. وبين أن مرض السمنة يعتبر تحديا كبيرا في تونس خاصة وأن 30 بالمئة من التونسيين يعانون من أمراض السكري. ودعا علالة إلى إيلاء هذه الأمراض الاهتمام اللازم عبر المزيد من تنظيم المؤتمرات العلمية والندوات.

 وقال إن الجراحة تظل إجراء وقائيا يساعد المريض على تعويد معدته “الجديدة” على خلق نظام غذائي جديد. وشدد على أن الفرد يبقى هو المسؤول الأول عن علاج نفسه ولا يتحقق ذلك إلا عبر التزامه بنظام غدائي معين.

وشددت آمنة المعمري الأخصائية النفسية للجمعية على ضرورة توفير الإحاطة النفسية اللازمة لمريض السمنة حتى يكون قادرا بعد إجراء العملية على الالتزام بنظام غذائي متوازن يحول دون العودة إلى الأنظمة غير الصحية التي ساهمت في إصابته بالبدانة.

ويبقى الحل الأمثل بالنسبة إلى بعض خبراء التغذية ممارسة التمارين الرياضية فور الاستيقاظ من النوم بدلاً من التوجه مباشرةً إلى المطبخ لتناول الأطعمة غير الصحية والإفراط فيها.

 وأشادت الدراسات العلمية الحديثة بأهمية ممارسة التمارين الرياضية بانتظام ودورها الفعال في تقليص الرغبة في تناول الطعام وكبح الشهية، وخوصا تمارين القوة، فهي تعد من أفضل التمارين الرياضية التي يمكن أن تساعد في منع زيادة الوزن، وتعمل على بناء العضلات التي تحفز بدورها عملية الأيض وتستهلك الكثير من السعرات الحرارية.

18