الشرف سلسلة يكبل بها المجتمع الذكوري الأنثى

الأحد 2017/02/12

لطالما كان الشرف لدى العرب مرتبطا بالأنثى، فالمرأة في المخيال العربي دلالة على سطوة الرجل ومحدد لهيمنته الذكورية، فمنذ الجاهلية كان يتم التعامل مع الأنثى على أنها وصمة عار محتملة، ولنا في وأد البنات الشهير في التراث العربي مثال بيّن على اعتبار الأنثى مقياسا محددا لشرف الرجل أو لعاره.

وقد يكون لارتباط الشرف بالمرأة في المجتمعات العربية مبرر عندما كانت المرأة العربية قعيدة المنزل، رهينة لقوامة الرجل ولسلطته المادية والمعنوية، ممنوعة من القيام بالأدوار الاجتماعية التي تقوم بها اليوم، ولا تعدو أن تكون شيئا جنسيا غرضه إمتاع الرجل وإشباع غرائزه أو كبته الجنسي والذكوري بما للذكورة من ميولات للهيمنة والعدوانية.

وقد بقي مفهوم الشرف العربي منحصرا في جسد الأنثى العربية، فلا تزال عذرية المرأة العربية محددا لشرفها وشرف عائلتها، ولم يتطوّر المنظور العربي للشرف رغم تطور المجتمع، وتطور المرأة العربية والطفرة العلمية التي تحققت في العالم، فالعذرية محدد لشرف المرأة العربية رغم اختراع العذرية المصطنعة، ورغم اكتشاف أن التكوين الفسيولوجي لبعض النساء يختلف عبر تواجد غشاء بكارة مطاطي لا يسمح بتدفق الدم عند أول علاقة، ورغم تطور الثقافة الجنسية عبر توفر الوسائل الرقمية وتكنولوجيات الاتصال والمعلومات، وظهور المجتمع الافتراضي، يبقى العقل العربي وتصوراته فيما يتعلق بالشرف والمرأة والعذرية على حاله شبيها بالعقل الذكوري الجاهلي، ولم يتغير مع تغير طبيعة المجتمع، وتغير علاقة الجسد الأنثوي بالمحيط الاجتماعي والثقافي.

“شرف الإنسان في العمل” يقول اليابانيون، وشرفه لدى بعض الشعوب يكمن فيما يقدمه من الخير للآخرين، أو في مقدرته على كظم الغيظ والتسامح، أما العرب فشرفهم مقتصر على البعد الجنسي للمرأة أساسا، باعتبار أن الذكر لا تثريب عليه إذا قام بعلاقات متعددة، باعتبار أن بعض منظري علم النفس يرون أن رواء طبيعة الذكر الجنسية يتمثل في القيام بعلاقات جنسية متعددة، أما رواء طبيعة الأنثى فيتمثل في انتقاء المخصّب الوحيد الأفضل.

وإن اختلاط المعايير الجنسية والأخلاقية والاجتماعية ونقص الثقافة الجنسية للمجتمعات العربية يساهم في مراكمة الكبت الجنسي والعاطفي لدى الأفراد، هذا الكبت الذي يمكن أن يتفجر في أيّ لحظة عبر أشكال عدوانية مثل الاغتصاب أو التحرش أو الاعتداء الجنسي على الأطفال أو في الميل إلى المثلية الجنسية.

وحتى تكون للطفل تنشئة اجتماعية سليمة، لا بد أن يكون للتربية الجنسية حضور فيها، حيث يخرج الجنس من بوتقة المحظور والممنوع والتابو، باعتبار أن على الفرد اكتشاف أعضائه الجنسية ووظائفها ومدى حميميتها وخصوصيتها بالنسبة إليه، وهذا التكوين الجنسي المبكر يكوّن لدى الطفل ثقة في نفسه وجسده، وثقة أكبر في والديه. فلغياب التربية الجنسية في تقديري دور في صمت الأطفال الذين يتعرضون للتحرش أو الاغتصاب. هذا الصمت الذي يشجع الجاني على العودة إلى فعلته مع نفس الطفل أو مع غيره.

كما أن غياب التربية الجنسية يزيد من صمت الآباء عن الحديث في هذه المواضيع ويولّد لديهم رهبة وخوفا لدى تعرض ابنهم لأيّ شكل من أشكال الاعتداءات الجنسية، وهو ما يزيد من ترسيخ مفاهيم مثل “العار” و”الحشمة” عند محاولة فضح أيّ تصرف عدواني شاذ على الأطفال.

كما أن إرساء تربية جنسية سليمة للأطفال لا يتنافى مع المعايير المجتمعية العربية، بل ستساهم هذه التوعية بشكل كبير في الحد من ظاهرة الاعتداء الجنسي على الأطفال وكذلك في تكوين أجيال جديدة متحرّرة من الفكر التقليدي الذي يجعل من الجنس الطوطم الذي ينحني حوله ويصمت في حرمه كل أفراد المجتمع.

باحث في علم الاجتماع

20