الشرقي والزمن

الأحد 2016/04/10

ثمة فروق جوهرية بين الثقافات الآسيوية والثقافة الغربية إذ تمتاز الثقافة الغربية بالروح القلقة المترنّحة بين التوق الملهم لكشف أسرار الوجود وبين الرؤية العقلانية القائمة على تمجيد الفرد وصرامة المعايير الرياضية التي تتحكم بالفكر والفلسفة والتوجهات السياسية والعلاقات الإنسانية..

هناك مجموعة رسائل متبادلة بين أندريه مالرو كممثل للثقافة الغربية وبين صيني يعبّران فيها عن رؤيتهما الخاصة لعالمين مختلفين: رؤيتهما للفن والعمل وعلاقة الإنسان بالزمن ومفهوم المتعة في الفن والحب والموت.

يتحدث الصيني عن علاقة الآسيوي الشرقي بالزمن ونظرته إلى نفسه كجزء أو تجلٍ للكون العظيم، يقول مخاطبا الفرنسي:

إن الزمن لديكم هو ما تصنعونه به، أما نحن فإننا من يصنعنا الزمن.

يعتبر الشرقي الآسيوي نفسه كياناً واعياً للعالم ومرتبطا بالكون من خلال ما يصنعه به مرور الزمن وما يضفيه عليه من قيمة وما يقدمه هو للآخرين، أما في الغرب، فإن المرء يقاس بما يملك ومن يسعى للتقدم في عمله لن يتوانَ عن سحقِ أقرب الناس اليه ليحافظ على نمط عيشه الاستهلاكي الذي يدفع ثمنه خواءً وجدانيا مريعا -وهذا ما يحدث عندنا الآن فمنظومات السياسة والاقتصاد والعلاقات في زمننا تقوم على فقدان الشعور بالأمان وتمضي حياة البشر تحت وطأة تهديد دائم من فقدان العمل في الأزمات الاقتصادية التي تحوّل الملايين إلى مشردين وعاطلين وضحايا، وفي الشرق الروحاني العتيق لا يهتم المرء بالفوز في السباق بقدر ما يهمه أن يكون شريكا في صنع البهجة والأمل، لا يعنيه أن يكون غنيا بقدر ما يرنو إلى السعادة في الحب والرفقة.

يقول الآسيوي “إن أوروبا بلاد افترستها الهندسة، فالشوارع مستقيمة والحدائق تعاند الطبيعة وتستسلم لنسق هندسي صارم، كل حضارة تنمذج حساسية معينة، والإنسان العظيم ليس الرسام ولا الكاتب، إنه الذي سيعرف كيف يصل بهذه الحضارة إلى أعلى مراحلها منقّيا في ذاته حساسية جنسه وعاملا بلا توقف على جعل تلك الحساسية تعبر عن نفسها باتجاه متعة أكثر سموّا وهذه هي حياة الذين نعدّهم الأساتذة أو “الأساطين”، أما مفهوم التفوّق بالنسبة إلى الغربي فهو تفوّق رجل السلاح وتفوّق الألم، وبالنسبة إلى الشرقي هو تفوّق الكمال، والكمال يأتي من عمق العاطفة التي يوقظها فيه شعور ما، أما عند الغرب فالكمال هو التضحية، والإعجاب يأتي من فعل معين، أما الكمال والإعجاب عند الشرقي فيحققهما الوعي بالوجود بطريقة أكثر جمالا.

يفصح الفرنسي عن رؤيته لانحدار الثقافات وموتها “إنّ أيّ ثقافة لا تموت إلا بتحلّلها الذّاتي وضعفها، ففي مواجهة المبادئ التي تعجز عن استيعابها سيحكم عليها بأن ترى في تدمير هذه المبادئ عنصر انبعاثها أو الفناء”.

الثقافة لا تموت إلاّ بوهنها الخاص كما يحدث لثقافتنا العربية فهي لا تتقصّى منابع التجديد والابتكار لأنّها ارتضت بكمالها الموهوم وتقبّلت ما هي عليه من ركود وتصلّب ترى فيه مبررا لدرء خطر الثقافات المهيمنة.

عندما قلّدت مجتمعاتنا الغرب لم تأخذ عنه فلسفته وعلومه وتفوّقه التقني بل نزوعه الاستهلاكي المفرط ولكونها لا تمتلك أسسا ثقافية وقيمية رصينة فقد وُلد لديها وعي مشوّه للحياة ومتطلبات النهوض بها ورافقه نزوع للتدمير والفوضى والعطالة الفكرية، فمجتمعاتنا -ذات الاقتصاد الرّيعي- تعيش كطفيلي على النفط ومعطيات الحضارة والتقنية دون سعي منها لتأسيس منظومات قيمية تتماشى مع متغيّرات العصر والعمل على النهوض بالتعليم والصناعة بل على النقيض من ذلك حرّمت على نخبها المثقفة نقد الموروث والفكر الفقهي المهيمن فلم يظهر قادة وعي ومفكرون قادرون على التأثير والتغيير.

كاتبة من العراق

14