الشرق الأوسط بين عيدين

الاثنين 2014/10/06

أخيرا، حدث التدخل الخارجي في سوريا، وهو أمر كان محتوما منذ نزول أول دبابة إلى الشارع في مواجهة المتظاهرين قبل أكثر من ثلاث سنوات، وتخندق إيران وروسيا مع النظام وراء خيار الحل العسكري.

بوصف التدخل الآن هو للجيش الأميركي، أقوى آلة عسكرية عبر كل الأزمنة، فإن مصير النظام السوري المتآكل، وتنظيم البغدادي المتعيّش على إجرام وجنون عائلة الأسد، سيكون في عهدة الولايات المتحدة، التي سيكون عليها أن تدافع عن قراراتها وموقعها القائد في العالم.

سوف يؤرخ تحليق أول طائرة للتحالف فوق الأراضي السورية، لنهاية الطور الصاعد من حياة تنظيم “داعش”، الذي سيدخل منذ الآن في طور العمل السري، مع تضاؤل قوته بالتدريج، وانكماش مناطق نفوذه، والحرب عليه ستستمر إلى زمن طويل كما هو واضح من طبيعة وأهداف الهجمات التي يتم شنها عليه. وترتبط معاودة التنظيم للظهور في زمن قادم، بالمعالجة الميدانية الناعمة للتنظيم على الأرض، على اعتبار أن القصف الجوي العنيف من الجو هو معالجة خشنة بالمقاييس العسكرية.

والمعالجة الناعمة ذات شقين، عسكري تضطلع به قوات المشاة والمدرعات، وأمني تختص به أجهزة الاستخبارات والإعلام، وليس من المعروف بعد من سيتولى هذه المهمة، الجيش الحر أم قوات دولية متحالفة، أم كلاهما.

توضّحُ خارطة الأهداف التي قصفت حتى اليوم، أن هناك تركيزا على قطع طريق التنظيم عبر الحدود السورية العراقية، مما يشير إلى فصل سياسي في التعامل مع التنظيم على جانبي الحدود، وليس مجرد عملية تقطيع أوصال للجسد العسكري للتنظيم، بل عملية تحديد لحيزين سياسيين متمايزين، عراقي وسوري، لكل منهما متطلباته وقوانينه ولاعبيه.

ويؤكد وجود الدول العربية على رأس القوى المتحالفة، وتمويلها للعمليات طبيعة الحرب الحالية وأهدافها، فهي معركة العرب من أجل إبقاء سوريا في الصف العربي وتخليصها من النفوذ الإيراني، ومن حيث الطبيعة حرب ضد التطرف السني، الذي لن ينجح في تخفيف حدته سوى تدخل أطراف سنيَّة، تمنح الدور الأبرز تكتيكيا، بعد الدولة العظمى التي ترتكز إليها الحرب استراتيجيا.

وينبئ الانكفاء التركي باحتجاج وخسارة القضية سياسيا لصالح الطرف العربي، وما مطالبته بمنطقة حظر جوي على حدوده سوى مطالبة بتعويض، قد يمنح له في المرحلة الحالية جانب منه، وبما يمكنه من مواجهة تهديد المتطرفين الأكراد وحسب. على أن استرضاءه واجب في المراحل المتقدمة، إذ أن الإعلان التركي عن إعادة ألف جهادي كانوا ينوون التوجه إلى سوريا، تحذيري أكثر مما هو تطميني.

إيران بدورها ليست خارج اللعبة تماما، لكن مجالها الحيوي هو العراق، وإن شاءت أن يكون لها دور في سوريا، فثمنه التدخل ضد التنظيمات والمنظمات الشيعية المتطرفة في هذا البلد، وهو ما لا يظن أنها قادرة على تقديمه في الوقت الراهن.

إن شمول الضربات الجوية لجبهة النصرة وجماعة خراسان، يعني قطع الطريق على أي اعتراض أو معارضة روسية وصينية، إذ ليس لـ“داعش” حتى اليوم نشاط دولي يمكن التذرع به لوضع الحرب الحالية في إطار التهديد العالمي، واستجلاب جماعة خراسان ومخططاتها الكونية في الأيام الأخيرة، ربما كان في سياق شد عصب الحلف الدولي الذي تقوده أميركا والمؤلف من أربعين دولة، للوقوف في وجه تحالف مضاد روسي وصيني محتمل.

وعلى اعتبار الحرب حرب عصابات، طويلة الأمد بطبيعتها، فإن ترسيم الشكل النهائي للصفحة التي فتحت في الشرق الأوسط اليوم، وإقرار معادلاتها، مازالا مبكرين. وبالتالي ستحرص كافة الأطراف ذات الصلة على الحذر وضبط النفس، إزاء التدخل العسكري الأميركي، وقد كان النظام السوري أول المبادرين، حين رحّب بالهجمات بعد أن هدد بالتصدي لها في ما مضى.

لقد حدد شكل التحالف والدول المنضوية تحته، ملامح الاتجاه السياسي للمرحلة القادمة، ومن يقف في موقع الهجوم ومن في موقف الدفاع، وينتظر أن يحدد اتجاه العمليات العسكرية ومكانها، ملامح أكثر دقة للتطورات السياسية القادمة، وستكون الإجابة عن سؤال من سيمسك الأرض بعد الضربات الجوية حاسما، فهو سيعيّن بدوره الموقفين الإيراني والروسي، ويضع العلميات في طور المرحلة النهائية. لكن ذلك سيستغرق بعض الوقت، فقد أعلن البيت الأبيض أنه بحاجة إلى أربعة أشهر لتأهيل قوى المعارضة المعتدلة، ونحو ثمانية لفرض وجودها على الأرض كبديل لنظام الأسد وتنظيم “داعش”، وقد ينشط في هذه الأثناء سوق المساومات والتسويات السياسية، ويغيّر مجرى العمليات العسكرية.

قبيل عيد شهر رمضان الماضي بدأت عمليات الواسعة لـ”داعش” في العراق وسوريا، وقبيل عيد الأضحى بدأ الهجوم الدولي المضاد، ويخيل لي، أن الأحداث الكثيفة في الأشهر الثلاثة التي فصلت المناسبتين، ستكون فصلا مرجعيا في تاريخ الشرق الأوسط للعقود القادمة.


كاتب سوري

8