الشرق الأوسط ليس نفطا وحسب

الأربعاء 2014/02/19

تذهب الكثير من التحليلات الاستراتيجية إلى التأكيد بأن منطقة الشرق الأوسط سوف تفقد أهميتها الجيواستراتجية صبيحة اليوم الذي تنتج فيه أميركا برميل النفط الذي سيحقق التوازن بين إنتاجها واستهلاكها، ومع غروب شمس ذلك اليوم ستنام واشنطن بدون أحلام ولا كوابيس شرق أوسطية.

ولكن السؤال هنا، هل سيتجرد الشرق الأوسط حينها من مزاياه وأفضاله، بل من خطاياه ومخاطره؟، وهل الشرق الأوسط هو في الميزان الاستراتيجي العالمي مجموعة حقول وصنابير للنفط وحسب، وبالتالي فإن إمكانية استخراج بدائل له في مطارح أخرى من العالم تحوله إلى مكان مهمل ولا حاجة له، بل وتنتفي معه كل ما استثمرته الاستراتيجيات الدولية منذ قرون طويلة تمتد حتى لامبراطوريات اليونان والرومان القديمة؟

من المؤكد أن هذا النمط من القراءات لا يعدو كونه قراءات سطحية متعجلة، كما تنطوي على عيب تقني خطير وهو تركيزها على عنصر واحد وإهمالها لبقية العناصر التي تشكل المشهد الاستراتيجي العالمي، مثل عناصر الجغرافيا السياسة والواقع السوسيولوجي والأبعاد الثقافية، فضلا عن طبيعة التوازنات الدولية الراهنة ومساراتها المستقبلية، ذلك أن الاستراتيجيات لا تبنى على عوامل ظرفية يحتل المعطى الراهن فيها الأهمية الكبرى، وإنما بناء على تقديرات لما ستكون عليه الأوضاع في مدى زمني محدد.

لاشك أن النفط والدور الذي لعبه في الاقتصاد العالمي في المرحلة منذ بداية القرن الماضي شكل إضافة جديدة لأهمية منطقة الشرق الأوسط، لكن تلك الأهمية لم تولد مع اكتشاف النفط، وإنما أضيف بعد جديد لحساسية المنطقة وأهميتها في الحسابات العالمية.

تصعب عملية تحديد العنصر الأبرز في أهمية هذه المنطقة وذلك بسبب تعدد تلك العناصر وأهمية كل واحد منها على حدة، من الموقع الاستراتيجي إلى احتضان الأماكن المقدسة لملايين البشر إلى توسط قارات العالم القديم والتنوع الحضاري الموجود فيها، إلى وجود إسرائيل في قلب المنطقة، ولاشك بأن هذه الخلطة من العناصر والحقائق أضفت وتضفي على الدوام تلك الأهمية، ولا يعيبها حصول متغير في عنصر من عناصرها في فترة زمنية معينة، كما لا تفقد من أهميتها التغييرات الحاصلة في تراتبيات القوة الدولية أو تبدل أولويات الصراعات وطبيعة التوجهات السياسية.

وبالعودة إلى الاهتمام الأميركي بالمنطقة، يبدو الأمر أكثر من كونه حاجة نفطية آنية، رغم أن ذلك الاهتمام ينطوي على هذا البعد ولا ينفيه، فطبيعة التجهيزات اللوجستية والاستعدادات الاستراتيجية الكبيرة تشير إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، كما أن حجم الاستثمار الاستراتيجي الأميركي في المنطقة يثبت هذه الحقيقة، وثمة بنية استراتيجية كاملة ومتطورة بنتها الولايات المتحدة في المنطقة ولا يبدو أنها في وارد التخلي عنها، وحتى على الصعد السياسية والثقافية تخوض أميركا معارك معقدة من أجل زيادة مكاسبها في تلك المجالات مما يؤشر إلى نيتها الاستمرار في الإقامة بالمنطقة إلى أجال بعيدة.

لم يحصل أن انسحبت قوى عظمى من منطقة حيوية بسبب اكتفائها من المنتج الذي توفره تلك المنطقة، وخاصة إذا كانت لذلك المنتج قيمة استراتيجية، فاهتمامات القوى العظمى تتعدى دائما حاجاتها الداخلية إلى توظيف الفوائض في ميزان قوتها وتوظيف قدرتها على التحكم في مواقع إنتاج ذلك المنتج في تسيير الكثير من مصالحها الكثيرة مع القوى المنافسة لها في المجال الدولي. حصل ذلك حينما كان السكر هو المنتج المهم ثم القطن في عصر الامبراطورية البريطانية، فمن شروط المنافسة الدولية تحكم الدول بالمزايا الإنتاجية العالمية، ومن غير الممكن أن تحافظ قوى عظمى على مكانتها وهي محصورة ضمن نطاقات جغرافية معينة، ذلك لم يحصل في التاريخ ومن غير المتوقع حصوله الآن أو في المستقبل.


كاتب سوري

9