الشرق الأوسط نسيج يتفكك بسلاح التعددية الطائفية

الاثنين 2014/08/11
الهويات الطائفية استخدمت كأداة سياسية لجعل المنطقة في حالة عدم استقرار مستمرة

مثل التعدد الطائفي وتنوع الهويات في الشرق الأوسط أداة استغلتها القوى الاستعمارية، قديما وحديثا، في بقاء المنطقة الاستراتيجية في حالة غليان وعدم استقرار دائمين. وقد أدت التكتيكات التي منحت الهوية الطائفية دورا أكبر في الشرق الأوسط المعاصر إلى صراعات يستعصي حلها.

من السهل القول إن كل شيء في الشرق الوسط اليوم يمثل رجوعا إلى وضع المنطقة قبل الحرب العالمية الأولى. وتزعم الرواية أنه بعد آلاف السنين من النهب والسلب والذبح جلبت القوى الغربية النظام لمنطقة منقسمة وساعدت على خلق دول حديثة. والآن يقول الناقدون إن حدود الشرق الأوسط تستمر في الوجود بعد انتهاء جدواها، فهي لا تتناسب مع الخلافات الطائفية والخطوط الفاصلة بين الإثنيات التي شكلت على الدوام أساس (والآن تمزق) دول المنطقة المستقلة.

يستطيع المرء استخدام هذا القول لإيجاد تفسير لعديد الصراعات في الشرق الأوسط حاليا وبالتحديد المعارك في العراق وسوريا وليبيا، وحتى المعارك بين الإسرائيليين والفلسطينيين. ويفترض أن هذه الضغائن تعود إلى قرون ماضية، إذن كيف يمكن لأي أحد منا أن يأمل في خلاص هذه البلدان؟

يتجاهل هذا الرأي الأساليب التي اعتمدتها الحكومات والمجموعات المعارضة في استخدام الهوية الطائفية والإثنية عمدا كعلاج قصير المدى للمشاكل السياسية المعاصرة. وفي الواقع ليس من “الطبيعية” في شيء تقسيم البلدان على أسس إثنية أو طائفية. وفي حين لا تتغير الهويات الطائفية بسهولة فإن أهميتها على العكس من ذلك تتغير، وما موقعها المركزي في السياسة المعاصرة إلا وظيفة من وظائف جدواها السياسية.

بالتأمل في تاريخ الشرق الأوسط نلاحظ أن التغيير هو أبرز من الديمومة والاستقرار. فمثلا وُجد الأدوميون والموآبيون والقينيون في العهود التوراتية لكنهم انصهروا منذ عهود بعيدة في شعوب أخرى، والديانة الفرعونية في مصر قديما تحولت إلى الهلينية ثم المسيحية. أما الإسلام فقد انطلق من الجزيرة العربية وامتد من المغرب إلى الهند في ظرف قرن من الدعوة المحمدية، كما أن المغول اكتسحوا السهوب الآسيوية ووضعوا بصمتهم على المنطقة، وكانت مصر دولة شيعية في القرنين العاشر والحادي عشر للميلاد إلى أن جاء القائد الكردي صلاح الدين الأيوبي فجعل مصر سنيّة وألحقها بالإمبراطورية العباسية، واعتمدت بلاد فارس المذهب الشيعي في القرن السادس عشر لترسيم حدودها مع الامبراطورية العثمانية، وهكذا دواليك.

أدت التكتيكات التي منحت الهوية الطائفية دورا أكبر في الشرق الأوسط المعاصر إلى صراعات يستعصي حلها

على مدى هذه الفترة كانت مدن المنطقة متنوعة باستمرار، وكانت هذه المدن تضم مزيجا متعدد اللغات من العرب والفرس والأتراك والإفرنج (مصطلح الإفرنج يجمع كل الأوروبيين في صنف واحد) كما نجد الجاليات المسلمة والمسيحية واليهودية التي بدورها تنقسم أكثر حسب الطبقة الاجتماعية والمهن والفروق بين السكان الحضر والنازحين من الأرياف.

لقد غذت هذه المنظومة توترات عميقة لكنها أيضا غذت الروابط بين مختلف التقسيمات، فالمسيحيون كانوا يميلون إلى المسيحيين الآخرين بغض النظر عن أصولهم، والحدادون كانت تجمعهم مصالح مع الحدادين الآخرين، والصاغة تجمعهم مع غيرهم من الصاغة قضية مشتركة. أما عائلات التجار فكانوا مرتبطين بالعائلات من أمثالهم، وتجمعهم مصالح مشتركة مع من يشترون منهم أو يبيعونهم البضائع. وكانت القبائل تقتسم الأرياف لكن بعض القبائل كانت لها فروع شيعية وأخرى سنية. وكانت هذه الشبكة من الانتماءات تساعد على التوسط في النزاعات بين المجموعات وتضمن بأن تشعر كلها بنوع من الارتباط مع غيرها، وكان الأفراد يتمسكون بعدة هويات في الوقت ذاته، وبذلك يحيكون (وفي بعض الأحيان يرتقون) معا النسيج الاجتماعي برمته.

الهويات الطائفية ليست قابلة للتحول وشهد استخدامها كخاصية مميزة لتحديد الانتماء السياسي تزايدا


الهويات الطائفية


دخلت القوى الاستعمارية إلى هذه البيئة وواصلت القوى الأجنبية لعب دور لها في السنوات الأخيرة. بالرغم من أن الحكام الأجانب تمنوا عديد المرات خفض الخلاف الطائفي معتبرين إياه مخلفا من المخلفات المحرجة للنزعة التقليدية، لم يتوانوا عن استخدام الهويات الطائفية كأداة سياسية. لقد عمدوا أحيانا إلى الزيادة في حدة الخلافات عن طريق منح الحظوة لمجموعات إثنية وطائفية معينة، وتشجيع الأقليات على التشبث بالسفارات الأجنبية للحصول على الحماية من الأغلبية، واستعانوا بالحلفاء الطائفيين لخدمة مصالحهم في البلاد.

تجاوزت السياسة الحديثة هذه الانقسامات لفترة معينة إذ تركزت الهويات السياسية في الشرق الأوسط خلال القرن العشرين حول الأيديولوجيا فصارع البعثيون الشيوعيين وصارع الناصريون الوفديين وصارع العلمانيون الإسلاميين، وكانت المعارك في غالب الأحيان ضارية. لكن جدير بالذكر أنه في الوقت المناسب تحوّل بعض البعثيين إلى “بعثيين سابقين” وتحول الشيوعيون إلى “شيوعيين سابقين”، فالأيديولوجيات هي بطبيعتها قابلة للتحول.

بيد أن الهويات الطائفية، على عكس الصراع الطائفي، ليست قابلة للتحول وشهد استخدامها كخاصية مميزة لتحديد الانتماء السياسي تزايدا في العقود الثلاثة الأخيرة. مثلا قام حافظ الأسد في سوريا باستخدام النزعة الطائفية وسيلة من أجل إفقاد الأغلبيات التوازن وتقريب الأقليات ذات الحظوة من القصر. وسعى الزعماء المتسلطون إلى تقسيم المجتمعات بين “نحن” و”هم” بغاية دعم الاستقرار القصير المدى، وجعلوا الهوية الطائفية مؤشرا مفيدا وواضحا للولاء.

كل شيء في الشرق الأوسط اليوم يمثل رجوعا إلى وضع المنطقة قبل الحرب العالمية الأولى


صراعات يستعصي حلها


مع ذلك أدت التكتيكات التي منحت الهوية الطائفية دورا أكبر في الشرق الأوسط المعاصر إلى صراعات يستعصي حلها، وهي في جزء منها مصمَّمة، فالمجموعات السياسية تسعى إلى التركيز على الهويات التي يصعب التهرب منها، والهوية الطائفية هي بالتأكيد إحداها.

وقد لا يكون السني متعاطفا مع تنظيم الدولة الإسلامية مثلا، لكن تنظيما سنيا معلنا هو في موقع جيد لحماية السنّة من الهجومات الخارجية أو تمثيل مطالبهم. كما أن الميليشيات الشيعية تحمي الشيعة، والمجموعات الكردية تحمي الأكراد. ويؤدي الصراع إلى استقواء “السفاحين” داخل المجموعة ذاتها، وصعود “السفاحين” في مجموعة ما يقوّي نظراءهم في المجموعة الأخرى. وعندما يكون اسم المرء أو منشؤه شاهدا على الهوية تزداد قابلية الهجوم لديه وولاؤه للمجموعة بحكم الضرورة.

هذا المنهج يخلق دوامة من عدم الثقة مما يجعل من الصعب على الأفراد إيجاد ملاذ آمن عندما لا يكونون منتمين إلى مجموعاتهم الإثنية أو الطائفية مما يزيد في تعميق الانقسامات. تفر العائلات من بيوتها وتلجأ إلى الأحياء الآمنة مما يخلق جيوبا موحدة أكثر ويقضي على الروابط التي شدّت الشرق الأوسط على مدى قرون من الزمن.

الملاحظة المهمة في هذه العملية هو أن الزعماء يستخدمونها بشكل واع في محاولة للسيطرة السياسية، إذ يسعون إلى إقامة حواجز حتى يتمكنوا من التحكم في كل ما يوجد داخل مجالهم واستغلاله. إنهم يعمدون إلى خلق التهديدات حتى يتسنى لهم فيما بعد حماية رعاياهم من هذه التهديدات، فهم يراهنون على ديمومة الصراعات وقدرتهم على حماية السكان منها.

إن خلق هذه الانقسامات أسهل من التخلص منها، لكن أول خطوة في القضاء عليها هو إدراك أنها تمثل ابتعادا عن التاريخ عوضا عن العودة إليه. وهنا تمثل إعادة إنشاء المصالح المشتركة التي تتخطى حدود الهويات خطوة مهمة، وتوفير الأمن للجميع هو خطوة أخرى. إن الاختلاف الطائفي ليس أمرا جديدا، لكن الجديد هو إعطاؤه أهمية كبرى. والسماح للاختلاف بأن يحدد كل شيء ليس عودة إلى الماضي بل خطوة نحو مستقبل مغاير وربما أكثر عنفا.


جون ألترمان باحث في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن متخصص في منطقة الشرق الأوسط

الدراسة من ترجمة منصف الخروبي

7