الشرق الأوسط واستحقاقات 2014: لا تسويات ولا حسم في الأفق

الثلاثاء 2014/01/21

أصبحت سنة 2013 وراءنا، كانت من السنوات العجاف في دورة الزمن العربي، ولا تزال تداعيات أحداثها ماثلة أمامنا خاصة إزاء المنعطف الحاد في النزاع داخل سوريا وحولها، أو حيال مصائر دول “الربيع العربي”. وفي المجال الشرق أوسطي كان العام الماضي متسماً بتحول داخلي وخارجي في إيران، وبانتكاسة لحكومة “السلطان أردوغان” في تركيا.

ماذا يخبّأ للشرق الأوسط عام 2014 المزدحم باستحقاقات انتخابية ومواعيد يفترض أن تكون تقريرية للعديد من المسارات والدول؟ إن غالبية هذه الاستحقاقات التي يحين موعدها في أواسط هذا العام أمامها المزيد من الرهانات والانتظار الثقيل.

سنكون أواسط هذا العام على موعد مع انتهاء العمل بالاتفاق المرحلي الدولي- الإيراني حول الملف النووي وربما يترافق ذلك مع تغييرات وتعيينات جديدة في قيادة الحرس الثوري. في العام 2013 كانت بدايات خريف “ولاية الفقيه” وتحول المرشد الأعلى من الحاكم المطلق إلى حاكم مضطر للأخذ برأي الثلاثي روحاني- رفسنجاني- خاتمي، وسيكون الامتحان الحقيقي في بلورة خلاصة ناجحة في المفاوضات حول الملف النووي، لأن ذلك يؤكد على تحول فعلي وعلى تقدم المصلحة العليا للدولة على المنطق الأيديولوجي للثورة في إيران.

لكن لا يتوهمن أحد أن إيران المعتدلة (أي الجمهورية الإسلامية بحلتها الجديدة إذا وصلنا إلى هذا المصاف) قد تتخلى ببساطة عن مكاسبها الإقليمية وعن مشروعها الامبراطوري. ومن هنا فامتحان صدقية الانفتاح “الروحاني” و”ظرافة” الوزير ظريف سيكون في بلاد الشام حيث تتكاثر أيضا المواعيد: مسار جنيف 2، انتهاء تسليم وإزالة السلاح الكيميائي ونهاية ولاية الرئيس بشار الأسد. وفي العراق سيسعى نوري المالكي إلى التجديد لنفسه في الانتخابات التشريعية هذا الربيع، وسيكون لبنان أيضا اعتبارا من أواخر مارس القادم على موعد مع انتخاب رئيس جديد للجمهورية. على الأرجح لن تكون هذه المواعيد حاسمة نظرا للتعقيد الكبير في كل ملف وللتجاذبات الإقليمية والدولية. وكما أن إيران لا تبدو جاهزة لتغييرات جوهرية في سياساتها الإقليمية خاصة بعدما طمأنها الرئيس أوباما ولوّح لها بورقة الشريك المحتمل بالتزامن مع تراجع الدور الأميركي في الإقليم والتوجه نحو آسيا- المحيط الهادئ.

أما بالنسبة للعراق فمن الواضح أن المالكي تحت غطاء الحرب ضد الإرهاب يسعى لكي يبقى نقطة التقاطع بين مصالح واشنطن وطهران، مما سيزيد من العنف في العراق ويعيده لسنواته السوداء في العقد الماضي. أما لبنان فهو الضحية الدائمة لمحيطه الجيوسياسي منذ نهاية الستينات في القرن الماضي، وليس هناك احتمال لعدم انزلاقه كليا في النزاع السوري إذا لم يحصل تحصين دولي له وانفراج نسبي سعودي- إيراني حيال ملفي الحكومة والانتخابات الرئاسية.

في سوريا عقدة العقد، لا تبدو فرص نجاح مسار جنيف 2 كبيرة ويترافق ذلك مع تداول الخرائط عن “بلقنة” المشرق وإعادة رسم حدود الدول فيه. وما يعزز هذا الانطباع مستوى العنف والتفتت والتدخلات الخارجية. يزداد استعصاء الوضع السوري مع احتدام لعبة الأمم عبر الانغماس الكثيف للمحور الإيراني والصعود الروسي مقابل التراجع الأميركي ودخول العامل الجهادي على الخط.

تدل قراءة تاريخ المشرق على عدم استفادة العرب من التحولات الدولية ودفع الثمن غاليا على حساب المحاولات النهضوية. وهذه الواقعية الحذرة غير مبالغ فيها، إذ أن العرب ظنّوا بداية انبثاق لنهضتهم مع نهاية الامبراطورية العثمانية، لكن سرعان ما خابت الآمال وطغى التفتت والفرقة عبر ترتيبات المنتصرين في الحرب العالمية الأولى وفق اتفاقية سايكس- بيكو.

وزيادة على تفاعلات الصراع مع إسرائيل، أتت نهاية الحرب الباردة وحقبة الأحادية الأميركية لتتسببا بانهيار النظام الإقليمي العربي إثر حرب العراق في نيسان 2003. ومنذ ضرب العراق قلب العالم العربي وخط التماس بين العرب والترك والفرس، وخط التقاطع بين السنة والشيعة، جرى تهميش وتغييب القرار العربي بين ثلاث قوى إقليمية هي إسرائيل وإيران وتركيا.

هكذا منذ بدايات القرن الحادي والعشرين ارتسم مشهد إقليمي ملتبس في الشرق الأوسط وتصادمت المشاريع المتناقضة لإعادة تركيب المنطقة، عبر المشروع الأميركي المتمثل في “الشرق الأوسط الكبير” (الذي تعثر بصيغته التبشيرية الأولى حول الديمقراطية). والمشروع الإيراني المتمثل في “الشرق الأوسط الإسلامي” تحت زعامة طهران (يروي أبو الحسن بني صدر في مذكراته أن الإمام الخميني أبلغه بأن إيران ستتزعم العالم الإسلامي لمدة أربعة قرون كما العثمانيين). ثم المشروع التركي المتبلور مع أردوغان منذ 2007 والهادف إلى استعادة النفوذ المفقود، والذي التقى مع مشروع “الإخوان المسلمين” الذي حاول بدعم أطراف إقليمية ودولية تحويل “الربيع العربي” إلى “ربيع إسلامي” ولكن الحسابات أخطأت انطلاقا من الحالة المصرية وسرعان ما تراجع هذا المشروع. وبالطبع علينا ألا ننسى إسرائيل المستفيدة الأولى من الضعف البنيوي العربي، إذ وجدت ضالتها في تهميش القضية الفلسطينية بالقياس لإقليم منشغل بمشاكل متعددة.

انطلاقاً من الحدث التونسي، شكل زمن الحراك الثوري العربي محاولة يقظة جديدة وخاصة بالنسبة إلى شباب مغرب العالم العربي ومشرقه. ومع أن عدم الاستقرار لا يزال السمة السائدة، لكن تصحيح المسارات لا يغيب عن الأفق. في النهاية، ستتوقف بلورة المشهد الإقليمي وتوازناته بشكل كبير على استعادة مصر لنفسها ودورها في سياق الانتخابات الرئاسية والتشريعية في العام 2014، وكذلك على بداية بروز خلاصات في النزاع السوري.


أستاذ العلاقات الدولية في المركز الدولي للجيوبوليتيك- باريس

8