الشرق الأوسط وبيادق الجهل

الثلاثاء 2014/08/26

في هرمجدون صارت المدينة العظيمة ثلاثة أقسام، ومدن الأمم سقطت، وبابل العظيمة ذكرت أمام الله ليعطيها كأس خمر سخط غضبه” “وجمعت الأرواح الشيطانية جيوش العالم كلها في مكان يسمى هرمجدون” (سفر الرؤيا 19:16).

ملفات كثيرة شائكة تمتد لتغطي ساحة الشرق الأوسط، عنف وفوضى تنسف كل شيء، وحروب أهلية تغرق ركب دول لتنتعش دول أخرى تلهث خلف مصالحها وتعيد التشكيل بما يخدم مخططاتها المستقبلية.

لا يمكن الدخول إلى تفاصيل ما يجري في الشرق الأوسط حاليا إلا بربط هذه التفاصيل بما جرى في مطلع 2003 في الاتصال الشهير بين الرئيس جورج بوش وجاك شيراك لحثه على مؤازرته في غزو العراق. وقال له حرفيا: “اسمع يا صديقي شيراك، لقد أخذت على عاتقي تخليص العالم من الدول المارقة والشريرة وسأسعى بكل ما أوتيت من قوة لخوض معركة الهرمجدون هناك”. وفي مرحلة لاحقة أعلن عودة الحروب الصليبية.

إنه عالم احتكار القوة والمصالح التي تعيد تشكيل الدول بشكل تعسفي بما يخدم مخططات الدول الكبرى، على حساب استغلال الشعوب وتشريع القتل والإبادة والإرهاب، ومهما كانت المدرسة التي أنتجت ذريعة شعب بلا أرض لأرض بلا شعب، عادت وأنتجت ملف النووي العراقي، لتبدأ الحرب على الإرهاب وما نتج عنها من تدمير وإجرام ضد المدنيين، والتي كانت الخطوة الأولى نحو الشرق الأوسط “الجديد” وإغراق العالم بالفوضى الخلاقة، ومن ثم الوصول إلى الأيديولوجيات المستحدثة التي تميزت بمظاهرها الدينية والطائفية وبعنفها المطلق الذي يمارس مسيرته الدموية، وحروب تمتد من الشرق الأوسط إلى العالم أجمع الذي بات مهددا بما يسمى الحركات الإرهابية وليدة الإسلام السياسي والدعوات الجهادية بحروبها السافرة وحلولها الغارقة في حقبات ماضية.

هذا الإرهاب الديني القادم من الشرق الإسلامي قاد عملياته العسكرية لتتناسب مع إعادة هيكلة البلدان حسب المشروع “الصهيوأميركي” في بناء شرق أوسط جديد، وساق عصابات لم تحدد لها عدوا، كداعش مثلا التي تقف ضد الشيعة الرافضة، والسنّة غير المطيعين، والمسيحيين والإيزيديين والصابئة، أي أنها ضد الجميع، فالعراق في طريقه إلى التفتيت بين الشيعة والسنة والأكراد، و”داعش” التي ستعيد مجد الخلافة العباسية والأموية معا، وسوريا التي تحولت إلى إمارات حرب وأكوام ركام، ليست بعيدة عن واقع السياسات القادمة في التقسيم، ومن البديهي أن التقسيم الجغرافي والسياسي، الذي يقيم الحواجز والحدود لا يلغي وحدة الشعوب، بينما التقسيم الديني والعرقي فهو يرسم جغرافية الأحقاد المجانية، وينهي الوعي بالمشتركات الإنسانية ويلغي أي أمل في إمكانية التوحد، ويزيد أمد الحروب واستثمارات الدول الكبرى، ليخلف دويلات صغيرة عاجزة تعيش على الفتات.

هذا الشرق المستلب تجره الآن بيادق الجهل التي قدمت ولاءها للخليفة الراعي، والمصممة على إغراقه في وحل الفوضى والدم والقتل المستمر في حرب طويلة الأمد تحرق ما تستطيع من الرقعة ومن عليها، وحين ينقشع دخانها سينعم من بقي بما يرمى له من فتات المستثمرين الكبار.


كاتبة ورسامة سورية

9