الشرق الأوسط يتصدر قائمة المناطق الحاضنة للصراعات

أصدر المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية الأربعاء الماضي بلندن الطبعة الأولى لتقريره السنوي حول النزاعات المسلحة في العالم، لافتا إلى أنّ الحروب كانت أقل عددا في 2014 لكنها أكثر فتكا، مُسلطا الضوء على تنامي النزاعات في منطقة الشرق الأوسط، وعلى رأسها الأزمة السورية.
الجمعة 2015/05/22
دماء السوريين تطغى على مشهد النزاعات المسلحة في العالم

لندن - يحيل النظر إلى مناطق النزاعات المحتدمة في العالم، وفق تقرير المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، إلى شساعة مساحاتها وانتشارها على أنحاء متفرقة من العالم، حيث تمتدّ هذه النزاعات من أميركا الوسطى إلى الشمالية، مرورا بأفريقيا الوسطى إلى شرق أفريقيا، وصولا إلى سوريا وشبه الجزيرة العربية وجنوب آسيا، وهي مناطق تتأثر بأشكال مختلفة من الصراع المسلح.

وعلى الرغم من أنّ المؤشرات كانت توحي بأمل في تحسن الأوضاع إلاّ أن مستويات العنف استمرت في التصاعد بلا هوادة. بالإضافة إلى ذلك تعاني مناطق واسعة في العالم العربي من تصاعد العنف وعدم الاستقرار المزمن الناجم عن التنامي السريع للتيارات الجهادية واحتمالات ضئيلة لإيجاد حلول.

وقد شهدت الأوضاع الإنسانية مزيدا من التأزم نظر للقيود المفروضة من جانب الأنظمة على وصول المعونات. في المقابل كانت عمليات حفظ السلام أكثر فاعلية في بعض المناطق الأخرى من العالم على غرار أفريقيا جنوب الصحراء، حيث كانت القوى الإقليمية أكثر رغبة وقدرة على التأثير بشكل حاسم.

ويشهد التدخل الإنساني الذي تقوم به الدول الغربية أدنى مستوياته حاليا، ويبقى التحمّس إلى دعم العمليات الإنسانية رهن تحسّن الظروف الاقتصادية والابتعاد تدريجيا عن ذكريات أفغانستان والعراق.

الشرق الأوسط في قلب التيار

في ما يتعلق بالصراعات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، والتي يبدو أنها تتصدر قائمة المناطق الحاضنة للصراعات المسلحة، أوضح التقرير أنّ النزاع السوري، على سبيل المثال، أدّى لحدّ الآن إلى وفاة 200 ألف شخص، من بينهم 70 ألفا في العام 2014 فحسب، كما أسفر عن 3.4 مليون لاجئ، منهم 1.4 مليون شخص نزحوا إلى الدول المجاورة في العام 2014، وفق ما صرّح به نايغل انسكتير، المسؤول عن التقرير السنوي.

تنامي النزاعات المسلحة يضع العالم على حافة الهاوية

وقد أصبح الصراع السوري وثيق الارتباط بما تشهده المناطق السنيّة في العراق، حيث استغل تنظيم الدولة الإسلامية، المنشق عن تنظيم القاعدة، في منتصف العام 2014، سخط الطائفة السنية في البلاد على حكومة المالكي ذات التوجه الشيعي، وقام بالسيطرة على الموصل وبدأ في التقدّم باتجاه بغداد، وسيطر على مساحات شاسعة من الأراضي والموارد المجاورة لمناطق كبيرة من سوريا. وبعد ذلك أعلن أبو بكر البغدادي نفسه خليفة ما وضعه في صدام مع قيادة تنظيم القاعدة.

وقد تزامن التقدم الذي أحرزه تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا والعراق مع أعمال وحشية أسفرت عن مقتل 18 ألف شخص ونزوح مليونين آخرين. وفي أغسطس عام 2014 بدأ تحالف بقيادة الولايات المتحدة بشن هجمات جوية ضد داعش، وفي الوقت نفسه، واجه التنظيم على الأرض، مقاومة من الميليشيات الشيعية مع تدخل سافر من القوات الخاصة الإيرانية من خلال التنسيق مع قائد فيلق القدس في الحرس الثوري قاسم سليماني. وقد تمكنت الميليشيات من التصدي لتقدم داعش إلى جانب طرد التنظيم من المناطق الكردية. لكن داعش ما يزال يسيطر على أراض شاسعة وموارد كبيرة، إلى جانب تمكنه من اجتذاب عدد كبير من المقاتلين الأجانب، بالإضافة إلى أنه ما يزال قوة فعالة في تحديد تطور الجهاد العالمي.

وقد لعبت التيارات الجهادية دورا محوريا في ليبيا كذلك، حيث يتنافس برلمانان وحكومتان منفصلتان (إحداهما معترف بها دوليا تتخذ من طبرق مقرا لها والأخرى محسوبة على الإخوان المسلمين تسيطر على طرابلس بقوة السلاح وبمساعدة ميليشيات متشددة) من أجل السيطرة على البلاد التي تسير بسرعة نحو التفكك. أما في مالي فقد انسحب الجيش النظامي عام 2004 من البلدات الشمالية الرئيسية، وهو ما سمح للمنظمات الجهادية بتنظيم صفوفها هناك.

كما أدّى العنف الجهادي إلى تدهور الوضع الأمني بشبه جزيرة سيناء في مصر، حيث قامت جماعة أنصار بيت المقدس التابعة لداعش باستهداف الجيش المصري، كما وصل العنف الجهادي إلى منطقة الدلتا والقاهرة والإسكندرية. في الوقت نفسه، يواصل اليمن السير نحو التفكك البطيء بعد ما قام المتمردون الحوثيون الشيعة بالسيطرة على عدد متزايد من المحافظات خلال العام 2014، كما أنهم سيطروا على العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014. وواجه المتمردون الحوثيون مقاومة من قوات التحالف العربي الذي تقوده السعودية، إلى جانب أنهم انساقوا في مواجهات مع تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، الذي يسيطر بدوره على مناطق جنوب البلاد.

اللاجئون في أوطانهم: حقوق منتهكة وأزمة مضاعفة
جنيف - تتفق تقارير عديدة على أن الصراعات التي يشهدها العالم في السنوات الأخيرة تتسبّب في كوارث إنسانية خطيرة، ولها وقع سيئ على حياة الناس وخاصة الأطفال، الذين قلبت النزاعات في بلادهم موازين حياتهم، وجعلت الآلاف منهم لاجئين وغرباء يعانون داخل بلدانهم وخارجها.

ويقدّر تقرير “مركز رصد النزوح الداخلي” عدد النازحين داخل بلدانهم بحوالي 83 مليون شخص. وذكر المركز، الذي يتخذ من جنيف مقرّا له، أن نحو ثلث هؤلاء النازحين، أي 11 مليون شخص، نزحوا العام الماضي وحده، بمعدل 30 ألف شخص يوميا.

وجاء في التقرير أن عدد النازحين يبلغ حاليا ضعفي عدد اللاجئين في العالم.

وقد قدّرت إحصاءات الأمم المتحدة، عدد اللاجئين في أنحاء العالم بنحو 16.7 مليونا سنة 2013.

ونحو 60 بالمئة من النازحين العام الماضي هم من خمس دول فقط، وهي العراق وسوريا ونيجيريا وجنوب السودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية. وسجل أكبر عدد في العراق، حيث اضطر نحو 2.2 مليون شخص إلى النزوح من مناطق سيطر عليها تنظيم داعش.

ونزح نحو مليون شخص داخل سوريا العام الماضي وحده، ليرتفع عدد النازحين إلى 7.6 ملايين شخص، ما يمثل 40 بالمئة من عدد السكان. وبرز اسم أوكرانيا للمرة الأولى في تقرير المركز، إذ بلغ عدد النازحين 646 ألفا و500 شخص في العام 2014 خلال الحرب بين قوات كييف وانفصاليين موالين لروسيا.

وأدت المعارك العنيفة في جنوب السودان إلى نزوح 1.3 مليون شخص في 2014، أي ما يمثل 11 بالمئة من السكان.

ووصف يان إيغلاند، أمين عام المجلس النرويجي للاجئين، الذي وضع التقرير، هذه الأرقام بأنها “أسوأ أعداد للمجبرين على النزوح خلال جيل كامل. وهي تشير إلى إخفاقنا التام في حماية المدنيين الأبرياء”.

بدوره بلغ الصراع الإسرائيلي الفلسطيني أعلى مستوياته الدموية منذ حرب الأيام الستة عام 1967. فبعد انهيار عملية السلام في أبريل عام 2014، تصاعد العنف في يونيو الماضي ممّا أدى إلى 50 يوما من عمليات ما سمّي بـ”الجرف الصامد”، والتي خلفت العديد من الإصابات، تبعها ارتفاع الهجمات المسلحة في الضفة الغربية والقدس ممّا أدى إلى تكهنات حول إمكانية اندلاع انتفاضة ثالثة.

العالم يئن تحت وطأة الحروب

ربما لا تشكل الأرقام والإحصائيات التي أعلن عنها التقرير مفاجأة، حيث تتميز بعض المناطق التي تشهد نزاعات مسلحة بكثافة سكانية عالية إلى جانب تدني مستويات التنمية الاقتصادية وضعف مؤسسات الحكم. ويُمثل المتحكمون في الصراع مزيجا معقدا بين المستويات المحلية والوطنية والدولية. كما تلعب الأيديولوجيا دورا هاما في تنظيم العمليات الإجرامية باعتبارها سببا للصراع أو أحد العوامل المؤججة له. ورغم أن المتحكّمين في الصراع هم غالبا من الجهات الداخلية، فإنّ البعض له وظيفة جيوسياسية إقليمية أوسع.

ويعدّ الرسم الذي تضمّنه التقرير، والذي يبيّن أنّه في العام 2008 كان هناك 63 صراعا مسلّحا حدثت في جميع أنحاء العالم، مما أدى إلى سقوط 56 ألف قتيل، في حين أنه في العام 2014 لا يوجد سوى 24 نزاعا مسلحا أدت إلى سقوط 180 ألف قتيل، أحد أكثر الرسوم تعبيرا حول النزاعات المسلحة الحاصلة في العالم اليوم.

وقد شهد معدّل النزاعات المسلحة في جميع أنحاء العالم انخفاضا تدريجيا منذ إطلاق قاعدة بيانات النزاع المسلح، ومن الواضح أن الأمر حظي بترحيب. ولكن انخفاض عدد الصراعات تم تعويضه بتنامي عنفها، ما أسفر عن ارتفاع عدد الضحايا الذين سقطوا خلالها. إلى جانب أنها أدت إلى ارتفاع عدد اللاجئين والمشردين إلى مستويات غير مسبوقة.

وهو ما جعل المفوض السامي لشؤون اللاجئين للأمم المتحدة يلاحظ أن العام 2013 كان العام الأول، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، الذي شهد ارتفاعا مهولا في عدد اللاجئين، حيث فاق عددهم الجملي الـ50 مليون نسمة. ولا يزال السكان المدنيون يدفعون ثمن الصراعات سواء من حيث التفكك على المدى القصير، أو أيضا التأثيرات على المدى الطويل، الناجمة عن انهيار الخدمات الحكومية المتعلقة بالتعليم والرعاية الصحية بشكل خاص، وضياع فرص التنمية الاقتصـادية، والإضرار بآفاق الأجيـال القادمة.

ويقدر البنك الدولي أنّ حوالي 1.5 مليار شخص، أي ما يعادل خمس عدد سكان العالم، يتأثّرون على نحو ما بأشكال العنف وبانعدام الأمن. وقد خلص التقرير في النهاية إلى أن فاعليته للحد من هذا العنف المتنامي، تظل مرتبطة بمدى تحمّس الباحثين وصناع القرار لما ورد فيه، والعمل على الحدّ من عنفية النزاعات المنتشرة في عدّة مناطق من العالم ودمويتها.

7