الشرق: جهات مفخخة وأخرى مستعرة

الأحد 2014/01/12
هويات متناحرة وأخرى منحورة

لا ينفكّ التساؤل حول جدوى الحوار وجديّته يعود إلى الصدارة محمّلا بإيجاب البحث عن جذور الخصام وبذور التناحر والتفرّق والاستعداء، ويستجرّ التساؤل البدئيّ تساؤلات كثيرة توجب بدورها البحث عن سبل واجتهادات لردم الفجوات التي يخلقها سوء الفهم تارة، أو انعدام التواصل تارة أخرى، وكذلك ما يتسبّب به الانقطاع من جهل بالآخر أو تجهيل به، ما يخلق قطيعة قد تتحوّل إلى عداوة مجّانيّة في مراحل متطوّرة.

في مقالته الواردة بعنوان «عرب وشرقيون في لحظة وجودية فارقة» في العدد 9429 بتاريخ 05/01/2014 من صحيفة العرب طرح الشاعر نوري الجرّاح عددا من الأسئلة المحوريّة التي قد تشكّل الإجابة عنها، أو البحث عنها إجابات لها، نقاط ارتكاز وانطلاق ثقافيّة جديدة مختلفة تمهّد لحوار بنّاء بعيدا عن الأحكام المسبقة والاتّهام المجّانيّ.

أشار الجراح إلى جوانب من أسباب الانقطاع بين العرب وجوارهم، الانقطاع الذي تحوّل بالتقادم إلى قطيعة مكرّسة بحكم الوقائع والسياسات، ناهيك عن الأحكام المسبقة المروّجة من باب استعداء الشريك القريب الذي أصبح يمثّل الآخر بكلّ عنفه وتجلّياته، ما وسّع الفجوة التي خلقتها السياسات، ودفعت إلى إبقاء الآخر متمترسا بالبعد ومكبّلا بقيود مفروضة سابقة ولاحقة.

ربّما يكون في سيادة ثقافة الارتكان إلى ما هو قارّ وإهمال النبش عمّا هو مخبوء أو دفين انعكاس لبؤس الحال المَعيش، بعيدا عن قلق الإنسان المنقّب عمّا يبقيه على تواصل وتناغم مع العالم، وبخاصة الجوار.

الواقع السياسيّ العربيّ البائس طيلة عقود ألقى بثقله الرهيب على علاقات الجوار العربيّ، وكانت الثقافة إحدى ضحايا تلك السياسات التي واظبت على تضخيم الذات وإيهامها بأنّها مكتفية بذاتها الكليّة المعرفة، والمتجذّرة في التاريخ، والمتسيّدة العلوم والخاتمة لها، ما خلق إرباكا لاحقا وحرَجا متعاظما حين انكشاف الذات أمام مرآتها، وسط التحوّلات التي اجتاحت العالم، ولاسيّما أنّ ثورة الاتّصالات ألغت المسافات وكسرت الحدود والحواجز، وأبرزت الشخصيات الحقيقية بمعزل عن تلبيسها لبوس التقديس (الذات) أو التدنيس (الآخر). أمام معضلة التباهي بما كان ماضيا، غاب الاهتمام بالراهن والتخطيط للمستقبل، ومع الغياب المتنامي للاهتمام تمّ تغييب أولئك المغرّدين خارج أسوار القطيعة المفروضة، وتمّ كمّ الأفواه وكتم الأصوات، كي لا تثير سجالات أو تنير دروبا معتمة، وكأنّ في إدامة حال التقوقع المفروض تأبيدا للسلطات المتحكّمة، ومن باب النفعية الآنية تمّ تعظيم الضغائن واستيلادها، وتحميل الشريك، الذي غدا الآخر في الأدبيّات، مسؤولية ما جرى ويجري، وجرّم وأدين بتهم بعيدة عن جوهر الواقع.

الغرب الذي ينظر إليه ككتلة واحدة، يقابله شرق متشظّ، شرق متعادٍ، شرق يخترع كلّ طرف فيه لنفسه شرقا كي يتعامل معه بمنطق الفوقية، ثمّ يتوهّم أنّه نفسه غرب لشرقه المُخترع الملفّق.

في الشرق اختلطت المفاهيم والمعايير وتلغّمت المصطلحات. لم يبقَ الشرق جهة وحيدة بين جهات أربع معروفة، بل أصبح بدوره عالما كاملا/ ناقصا يشتمل على عدّة جهات مفخّخة بأوهامها وظنونها وشكوكها، ما أدّى إلى أن تصبح تلك الجهات المحتواة في الشرق جبهات مستعرة على الدوام، لا تهدأ النيران في جهة منها حتّى تتأجّج في جهة قريبة.

العدوى المستلهمة من العداء تتفشّى بسرعة وتغرق بتفجّرها المدوّي الجهات والبشر. في كتب التاريخ المدرسيّ السوريّة، تمّ تزوير التاريخ جهارا نهارا، ومن بين ما تمّ تصديره للأجيال وتكريسه في الأذهان كثير من الأقاويل التي تستهدف استعداء الشريك والنظر إليه على أنّه عدوّ مفترض، أو أنّه متواطئ مع الأعداء لنهب المنطقة والمساهمة في التآمر على العرب.

أخطر ما مورس في الشرق وزرع هو نوع من تلغيم المستقبل، فالتوحيد بين الدين والقوميّة، أو المذهب والانتماء فرض قيودا وحدودا مكهربة بين مكوّناته، وحاول كلّ طرف التعامل مع الآخرين من منطق التعالي والتفوّق، حيث اختلط المشهد بين هويات متناحرة وأخرى منحورة بسكاكين الوهم والإيهام. وكان أن استمرّت حالة التقاتل فيما بين الهويّات، التي لم تعد تكتفي بتوصيف «الهويات القاتلة» بحسب أمين معلوف، بل أصبحت قتيلة وضحيّة اقتتالها المزمن.

الأتراك في كتب التاريخ العربيّة هم سبب التخلّف لدى العرب، لأنّهم باحتلالهم الذي دام أكثر من أربعة عقود حرموا العرب من كلّ شيء وقيّدوا العلوم والتطوّر واهتمّوا بحكمهم بعيدا عن أيّة محاولة للنهوض بالعرب وبالجوار، وأوقفوا كلّ شيء لخدمة سياساتهم السلطانية للهيمنة على العالم.

العرب في الأدبيّات التركيّة مقيّدون بالنظرة الاستشراقية التركية لهم، إذ يراهم الأتراك على أنّهم شرق لهم، بكلّ ما يحمله الشرق من تخلّف وتهوّر وتخبّط وارتباك وعقد وإشكالات لا تنتهي.

وينظرون إليهم على أنّهم سبب في انهيار السلطنة العثمانية، لأنّهم لم يفلحوا في الارتقاء بهم وإخراجهم من نفق الجهل والتخلّف.

مقابل العرب والترك يحضر الكرد كمكوّن شرقيّ حاضر في المعادلات السياسيّة والاجتماعيّة ومغيّب في الوقت نفسه لعقود. فقد عومل من قبل الأنظمة التي أعقبت مرحلة الاستقلال كعدوّ محتمل، و«خنجر مستلّ» قد يغمد في الخاصرة العربية في أيّة لحظة، ما أبقى الكرديّ متّهما باطراد. كما نظر العربيّ إلى الكرديّ على أنّه شرق له، وأيضا محمّلا بالنظرة التي كان التركي ينظر فيها إلى العربيّ، حيث يشتمل على التوصيفات/ التوصيمات نفسها (تخلّف وتهوّر وتخبّط وارتباك وعقد وعلل.. إلخ). وبمواجهة النظرة السالفة تشبّث الكرديّ باعتداده بنفسه واتّهام العرب والترك والفرس على أنّهم أسباب في تخلّفه، وخاصّة أنّهم يتوزّعون أرضه ويتقاسمون الاستيلاء عليها وعليهم، ويعتدّ أنّ أصالته تتجاوز حدود الجغرافيا وتتجذّر في التاريخ وتعود إلى إمبراطوريات في عهود ما قبل الميلاد.

الفرس بدورهم تعاملوا مع الجوار على أساس كونهم ورثة إمبراطورية عظيمة، وأنّهم مركز الشرق، فكان لهم شرقهم المتبدّد في الاتّجاهات المحيطة بهم كلّها، وكان كلّ ما يعيش معهم شرق لهم، سواء كان العربيّ أو التركيّ أو الكرديّ أو الأفغانيّ أو الآذريّ أو البلوشيّ.. وغيرهم، ضحايا تلك النظرة التشريقية التي تسعى إلى تغريب الذات والآخر بدورها، وتقيّد الآخر بقيود الشرق المتخيّلة التي لا تتوقّف عند أوهام التفوّق الحضاريّ، بل تتعدّاها إلى التفوّق الراهن، ووجوب التفوّق المستقبليّ اعتمادا على الماضي والحاضر. لم يقف تعاطي الفرس بمنطق الإمبراطور الوارث مع الجوار الشرقيّ عند حدّ، بل جيّر الإسلام ليستعيد سطوته وسلطته ونفوذه، وكان له إسلامه الخاصّ الذي قولبه وفق مقتضيات السياسة، ومزّق عباءة الإسلام ليدفع المذهب إلى تصدّر واجهة الاهتمام والاشتغال، لدرجة أنّه يجعله دينا بذاته يحلّه محلّ الدين نفسه، أو يتعاطى معه كدين مستقلّ بذاته. وذلك في رغبة مبيّتة جلية للهيمنة على الجوار، واستعادة المجد الغابر بلبوس مختلف وأدوات جديدة.

النزاعات السياسيّة تزيد في تمزيق المنطقة والشرق الذي يبدو كجرح مفتوح نازف منذ زمن مديد، والتمزّقات الكثيرة، القديمة والجديدة، تنهشه، وتسعّر نيران الخصومة وتبقيها متأجّجة لسنين قادمة، حيث تحمل قنابلها إلى الغد، وتعدي الأجيال القادمة بأوبئة مدمّرة. وضمن هذه الأجواء المتعادية والتشكيك المتبادل، تتقدّم الثقافة على أنّها هي الأقدر على التقريب بين الشعوب، وتبديد الأحكام المسبقة والتعريف بالآخر كما يجب بعيدا عن أيّة تلبيسات لا تتناسب مع حقيقته وواقعه. لكن السؤال الأهمّ يظلّ يتردّد في الأذهان حول أيّ دور للمثقّف في واقع التهميش والإقصاء..؟

سؤال اللحظة الوجوديّة الفارقة الذي ركّز عليه الشاعر نوري الجرّاح في طرحه، يستوجب السعي إلى استنهاض الهمم لتجسير الفجوات القائمة، لأنّ إدامة الاستعداء، والتعامل بفوقية أو اتّهامية واستعلاء لا يخدم أحدا في الشرق الملتهب المتناحر المفتّت، بل يبدّد الانتماءات ويقصي المستقبل ويعزله في ماضٍ متوهّم وعداء متأصّل.

11