الشرق ليس تركيا فقط

السبت 2017/08/05

رغم مرور ما يقارب ثلاثة قرون على تلك القصص المملوءة بعوالم مدهشة رغم بساطتها، إلا أن “ألف ليلة وليلة” أو ما يُعرف أوربيّا “الليالي العربية”، ظلَّت رغم مرور وقت طويل على إنتاجها أيقونةً ساحرةً يقصدها كل مَن يريد الحصول على لذة إغواء الشرق وسحرِه، هذه الليالي المتتالية تُرجِمَت للمرة الأولى كما تذكر لين ثورنتون في كتابها “النساء في لوحات المستشرقين”، من اللغة الفارسية إلى الفرنسية، إلا أن الترجمة الفرنسية المطورة قدمها في 16 جزءاً د.جوزيف شارل ماردرو بين سنتي 1899 و1904.

قبل هذه الجسور الأدبية التي قامت عبر كلمةٍ بنَت مجموعة من القصص المليئة بالتشويق، كان الاتصال بين شعوب الشرق والغرب يتم عبر الرسم، من خلال مجموعة من التصورات التي بناها الفنانون الأوروبيون، وهذه اللوحات شكَّلت ثورة أيضاً في أوروبا، ليس على المستوى الفني فقط بل على مستوى أسلوب الحياة أيضاً.

ففي كتاب “النساء في لوحات المستشرقين” الصادر عن دار المدى بترجمة مروان سعدالدين، تقول المؤلفة “رغم أن ظاهرة التركواز تلاشت تقريباً في السبعينات من القرن الثامن عشر، إلا أن الشرق استمر في التأثير على الموضة، وقد ارتدت الملكة “ماري أنطوانيت” ووصيفاتها في سنة 1778 أثواباً تسمى “السلطانية” ونوعاً من معاطف الفرو تسمى “الشرقية”.

وخلال حملة نابليون بونابرت على مصر، ارتدى الباريسيون جلابيب طويلة تسمى “مملوك”، فيما انتشرت موضة أخرى عام 1802 تتمثَّل في ارتداء العمامة التي تخفي الشعر خصوصاً، وشالات الكشمير وأزياء مستوحاة من الشرق”.

إن تصوير النساء الشرقيات حسب التصور الأوروبي القديم -ولا يزال في أجزاء منه يرتبطُ وثيقاً بالنظرة الحديثة- مبني على عالم الحريم، ذلك العالم الممنوع عن الغرباء، وهذا يقودنا إلى رأيَين كجواب على سؤال كيف رسمَ الفنانون الأوروبيون نساءَ الشرق في القرون الماضية، يطرح الكتاب تصوُّرَين اثنَين، الأول يقوم على أنه كان مسموحاً لبعض الرسامين بالدخول إلى أبنية محاذية لأبنية الحريم برفقة آخرين من الخدَم، والثاني يطرح أنَّ هؤلاء لم يزوروا الشرق مطلقاً بل قاموا برسم ما نقلَهُ زائروا الشرقِ وساكنوه من تصوُّرات أضافوا عليها البُعد الساحر الذي قرأوه في “ألف ليلة وليلة”!

لا أتحدث هنا عن تصورات دينية تتمثل في صورة مريم العذراء، إنها رؤية مبنية بعيداً عن العالم النوراني، هذا ما يشعر به المتلقي اليوم إذا وقف في متحف اللوفر بالعاصمة الفرنسية باريس، أمام ثلاث لوحات رسمها “أمود فان لو”، وهي “السلطانة المفضَّلة مع جواريها”، “السلطانة تصدر الأوامر للجواري”، “السلطانة ترتدي الملابس”، مثالاً لا حصراً.

بالنظر لزاوية أخرى من صورة الشرق في الأعمال الفنية الغربية، فلطالما كانت قوافل الجِمال جزءاً من الصورة المجازية للعالم البعيد، ولهذا تظهر غالباً في لوحات المستشرقين، حتى في أفلام السينما، نحن لا نتحدث هنا عن القرن التاسع عشر أو الثامن عشر حينما كان التنقل حِكراً على الجمال والخيول أو العربات في أحسن الأحوال.

نتحدث عن سنوات قليلة خلَت، فيلم “المهمة المستحيلة” الذي تم تصوير جزء منه في دبي بالإمارات العربية المتحدة، لقد كانت اللقطة الأولى لانتقال البطل إلى الوطن العربي، هي الصحراء ورجل يجر خلفه مجموعة من الجمال، وفي الأفق صورة للأبراج الشاهقة التي تنام في واحةٍ من التطور على كتِف الرمال، هذا المشهد لم يأتِ اعتباطاً، إنها صورة مركَّبة في عملية معرفية في الذهنية الأوروبية أو الغربية، قامت في أصلها على ترسيخ هذه التفاصيل كجزء أصيل من صورة الشرق.

عودةً للحديث عن كتاب “النساء في لوحات المستشرقين” للكاتبة “لين ثورنتون” فإنها تطرح سؤالاً هاماً في الفصل الأول الذي وسَمَته بـ”إغواء الشرق” مفادُه: رغم تمتع القصص التي تبثها “ألف ليلة وليلة” ببعد روحاني عظيم إلا أن الراسخ في الذهنية الأوروبية أن هذه الليالي تتصل بمواضيع لها علاقة بالجنس، الكره، العدوانية، الكراهية، المكر والخداع؟ وأضيف عليها، لماذا ذلك راسخٌ في الذهنية العربية قبل الأوروبية؟

كاتب سوري

15