الشركات التونسية تدفع ثمنا باهظا للإغلاق

أي استراتيجية تريد أن تتوخاها السلطات للنهوض بالشركات بعد أزمة كورونا، وبصرف النظر عن تحفيزها ماليا، قد لا تكون مثمرة لأن جوهر المسألة يتعلق بكيفية إدارة الأزمة.
الجمعة 2020/05/08
انعكاسات سلبية على الاقتصاد

شكلت التحذيرات من دخول الشركات التونسية في أزمة أعمق لا يمكن التكهن بعواقبها نتيجة تداعيات الوباء، إقرارا بفشل الخطط الاحترازية للحكومة مع دخول الاقتصاد برمته في خمول ربما سيطول نظرا لتأثره بما يحصل في العالم.

إن الخسائر التي تكبدتها الشركات خلال فترة الإغلاق الاضطراري بسبب أزمة كورونا تعد ضربة كبيرة لجهود الحكومة الساعية إلى دفع مؤشر البطالة إلى النزول، خاصة وأن كافة القطاعات الاقتصادية دفعت ثمنا باهظا لذلك وهذا الأمر سوف يصدّع أسس الاقتصاد المبني على ركائز هشة بفعل عدة عوامل هيكلية.

ففي وقت تعاني فيه الشركات أصلا من متاعب مالية بسبب الأزمة المالية والاقتصادية للبلاد منذ عام 2011 رغم محاولات الإنعاش بات شبح الإفلاس يخيم عليها أكثر من أي وقت مضى، وقد دخل أصحابها في إحصاء الخسائر المترتبة عن توقف النشاط لأسابيع بعد أن فقدت الأمل في تحصيل بعض المداخيل.

حتى الآن لا توجد أرقام رسمية تشير إلى حجم الخسائر المنجرة عن توقف نشاط الشركات منذ إعلان الحجر الصحي الشامل، بيد أنه من خلال عدة مؤشرات يمكن أن يلاحظ المتتبع لرقم معاملاتها، والخطوط التونسية مثال على ذلك خلال الثلث الأول من العام الجاري أنها فقدت الملايين من الدولارات كعوائد كانت ستساعدها على النهوض من كبواتها.

ومع أن إجراءات الحكومة كانت مشجعة في البداية، على ضعفها، لكن الشركات اتخذت طريقا آخر ووضعت استراتجيات تقشفية كان فيها الموظفون والعمال هم الضحية ما يجعلهم يلتحقون بصفوف العاطلين والذين تضعهم المؤشرات الرسمية عند نحو 15.3 في المئة من تعداد السكان النشطين.

كل الترجيحات تصب في اتجاه تقهقر النمو هذا العام إلى مستوى تاريخي. وهذه المخاوف جسدتها دراسة نشرها المعهد العربي لرؤساء المؤسسات مؤخرا، أشارت إلى أن أزمة كوفيد – 19 أثرت على نشاط أكثر من 80 في المئة من الشركات التونسية، وبدرجة أولى قطاع الخدمات، الذي يعدّ إحدى ركائز النمو.

عند تسليط الضوء على ما جاء في الدراسة نجد أن القطاع السياحي يتصدر المجالات المتضررة، حيث تأثر من تداعيات الوباء بنسبة تجاوزت 90 في المئة، ثم يأتي القطاع الصناعي بنحو 85 في المئة يليه قطاع خدمات المؤسسات بقرابة 80 في المئة، فقطاع التجارة بحوالي 76 في المئة، وأخير قطاع التطوير العقاري بنحو سبعين في المئة.

من خلال الدراسة التي اعتمد فيها المعهد على نتائج استطلاع شملت قرابة 600 صاحب شركة محلية، اتضح أن قرابة 42 في المئة من هؤلاء يخططون لتقليص القوى العاملة لديهم، بينما أكد نحو 65 في المئة منهم أنهم لا ينوون تجديد عقود العمل بالنسبة للموظفين الذين يشتغلون بعقود محددة المدة.

بالنظر إلى هذه المعضلة الشائكة، فإن أي استراتيجية تريد أن تتوخاها السلطات، حاليا، للنهوض بالشركات بصرف النظر عن تحفيزها ماليا، قد لا تكون مثمرة لأن جوهر المسألة يتعلق بكيفية إدارة الأزمة بحذر دون الوقوع في فخ الرجوع إلى المربع الأول لأن أي مغامرة غير مسحوبة قد تجعل من شلل معظم القطاعات أمرا حتميا.

تبدو الخيارات أمام حكومة إلياس الفخاخ محدودة لإنقاذ الشركات من هذه الصدمة نتيجة التركيز على مجالات أخرى ذات أولوية، وفي مقدمته الرعاية الصحية، وبالتالي فإن عودة الأنشطة إلى الحياة مرة أخرى، وخاصة المحركات الاستراتيجية للنمو، سيكون مكلفا بعض الشيء بالنظر إلى إدمان الدولة على الاقتراض.

وإلى جانب القروض والهبات، التي تحصل عليها تونس من الخارج من أجل تسيير شؤونها، فإن الحكومة لجأت مجددا إلى البنوك المحلية للحصول على تمويل بنحو 1.2 مليار دينار (413 مليون دولار) للتصدي لأزمة فايروس كورونا، ولا يعدو أن يكون المبلغ مجرد مسكنات مالية.

صندوق النقد الدولي أشار في تقرير حديث نشره مؤخرا إلى أن أزمة الوباء ستلحق ضررا بالغا بالاقتصاد التونسي المتعثر أصلا وستعمق الاختلال في التوازنات المالية، ما سيدفع البلاد إلى الدخول في عجز غير مسبوق في النمو سيبلغ سالب 3.4 في المئة.

إن هذا المؤشر وحده يكفي لتخيل مدى المشكلة التي ستواجهها البلاد مستقبلا ومدى الانعكاسات السلبية، التي يتوقع أن تكبح أي خطط حكومية لإنقاذ أي مؤسسة اقتصادية تريد العودة إلى النشاط في ظل توقف شبه كلي للحركة التجارية مع العالم وتصاعد الحديث عن شح في السيولة النقدية من السوق التونسية.

11