الشركات الفرنسية تنفذ عملية إجلاء شاملة من إيران

الحكومة الفرنسية ترفع الراية البيضاء وتقر بأن شركاتها لن تتمكن من البقاء في إيران، رغم الجهود الأوروبية لإنقاذ الاتفاق النووي.
الأربعاء 2018/06/20
رحيل الشركات الأجنبية يضع الاقتصاد الإيراني في حفرة عميقة

باريس - وجّهت الحكومة الفرنسية ضربة قاتلة لجهود إنقاذ الاتفاق النووي الموقع مع إيران حين أعلن وزير الاقتصاد برونو لومير أمس أن “معظم” الشركات الفرنسية لن تتمكن من البقاء في إيران.

ويعني ذلك أن جميع الجهود المعلنة التي أقرها الاتحاد الأوروبي لن تجدي نفعا في محاولة لتعطيل العقوبات التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 8 مايو الماضي.

وكان الكثير من الجهات الأوروبية قد عبّرت عن يأسها من إمكانية الوقوف بوجه عقوبات واشنطن. فقد سبق لوزير الخارجية الألماني هايكو ماس أن أكد أن أوروبا لم يسبق لها أن تمكنت من حماية شركاتها من العقوبات الأميركية.

ويرى محللون أن موقف الحكومة الفرنسية الصريح سيعزز عملية الإجلاء التي تقودها الشركات الفرنسية والتي بدأت بالفعل في تصفية تعاملاتها مع طهران، وهو أمر بدأ يمتد إلى معظم الشركات الأوروبية والعالمية.

وقال لومير أمس خلال برنامج لقناة “بي.أف.أم” إن الشركات الفرنسية “لن تتمكن من البقاء لأنها لا بد أن تحصل على مقابل للمنتجات التي تسلمها أو تصنعها في إيران ولن يكون ذلك ممكنا في ظل عدم وجود هيئة مالية أوروبية سيادية ومستقلة”.

ويعني ذلك أن الأمر ينطبق على جميع الشركات الأوروبية، بعد إعلان شركات النفط والتكرير والشحن البحري وصناعة السيارات عن إيقاف تعاملاتها مع إيران.

وأكد لومير أن “أولويتنا هي بناء مؤسسات مالية أوروبية مستقلة سيادية تسمح بإقامة قنوات تمويل بين شركات فرنسية وإيطالية وألمانية وإسبانية، وأي بلد آخر في العالم، لأنه يعود لنا نحن الأوروبيين أن نختار بحرية وسيادة مع من نريد مزاولة التجارة”.

لكنّ محللين يقولون إن هيمنة الدولار المطلقة على المبادلات التجارية العالمية تجعل من الصعب للغاية على شركة دولية تجاهل التهديدات الأميركية بفرض عقوبات.

هايكو ماس: أوروبا لم يسبق أن تمكنت من حماية شركاتها من العقوبات الأميركية
هايكو ماس: أوروبا لم يسبق أن تمكنت من حماية شركاتها من العقوبات الأميركية

وأعلنت واشنطن في مايو الماضي انسحابها من الاتفاق النووي الإيراني وقررت إعادة فرض العقوبات على طهران وعلى أي شركات تتعاطى معها. وسيبدأ تنفيذها بعد مهلتي 90 يوما تنتهي في بداية أغسطس و180 يوما تنتهي في 4 نوفمبر المقبل.

وعبّر الوزير الفرنسي عن يأسه من إمكانية الوقوف بوجه العقوبات الأميركية بالقول إن “الرئيس الأميركي قرر على ما يبدو أن يكون الشرطي الاقتصادي للعالم”، مناشدا أوروبا بأن تمنح نفسها أدوات كي لا تكون ضحية لذلك الخيار.

وتجاهلت معظم الشركات الفرنسية والأوروبية مواقف باريس والاتحاد الأوروبي وبدأت إجراءات الانسحاب من إيران، وبينها مجموعة بي.أس.أي، التي تنتج سيارات بيجو وسيتروين وجي.أس وشركة أوبل، والتي باعت 446600 سيارة في إيران خلال العام الماضي.

كما أعلنت مجموعة توتال النفطية أنها سوف تنسحب من مشروعها الغازي الضخم لتطوير المرحلة 11 من حقل فارس الجنوبي في إيران، رغم تهديد طهران بمصادرة الاستثمارات التي وضعتها في إيران.

ويرى محللون أن أقسى ما تخشاه السلطات الإيرانية هو وصول العقوبات إلى إمدادات النفط بسبب أزماتها الاقتصادية الخانقة التي أفقدت عملتها نحو صف قيمتها منذ بداية العام الحالي.

ويمكن لتدهور الأوضاع الاقتصادية أن يعيد تفجير الاحتجاجات التي عمت جميع المدن الإيرانية في يناير الماضي.

وكانت المفوضية الأوروبية قد أعادت الشهر الماضي تفعيل “قانون التعطيل” لمنع تأثير العقوبات الأميركية على الشركات الأوروبية التي تريد الاستثمار في إيران.

لكن ماثيو إيتورنو مدير المركز الفرنسي للأعمال في طهران شكك في فعالية القانون والقدرة على تطبيقه بسرعة كافية، خاصة في ظل حاجة الشركات إلى اتخاذ قرارات في غضون أسابيع قليلة لضمان التزامها بمدد التصفية التدريجية للنشاط.

وقال “لدينا شعور بأن الموقف الأميركي تجاه إيران هو تغيير النظام لذا ماذا يمكنك أن تفعل ضمن ذلك الإطار؟”.

وأضاف أن بنوكا فرنسية أصغر حجما لديها زبائن يعملون في إيران بالفعل بدأت في إبلاغهم أن من المستبعد أن تظل قادرة على تقديم خدمات بعد السادس من أغسطس، مضيفا أن العقوبات المرتبطة بالبنك المركزي تزيد النشاط المالي تعقيدا.

وأعلنت مجموعة أكبر شركات الناقلات والشحن البحري مثل ميرسك تانكرز وتورم وشركة أم.أس.سي عن إيقاف أنشطتها في إيران، وأوقفت المصافي الأوروبية وأكبر شركتين للتكرير في الهند صفقات شراء النفط الإيراني.

وبلغ التمرّد على محاولات الحكومات الأوروبية حماية الاتفاق الأوروبي حد إعلان بنك الاستثمار الأوروبي أنه لا يستطيع تجاهل العقوبات الأميركية إذا أراد المحافظة على مكانته كمؤسسة ذات مصداقية في أسواق المال الدولية.

ويقول محللون إن عدم قدرة البنك التابع مباشرة للاتحاد الأوروبي على تجاهل العقوبات الأميركية، يكشف قلة خيارات جميع الشركات الأخرى، التي تتسابق حاليا لتصفية وقطع علاقاتها مع إيران.

10