الشركات الكبرى تضل الطريق أحيانا في مناطق النزاعات

الجمعة 2017/03/10
التربح من الحرب

باريس - تفقد بعض المجموعات المتعددة الجنسيات التي تعمل في مناطق حروب مبادءها الأخلاقية، وتقوم بممارسات يمكن الطعن فيها لتحقيق أهدافها من تشغيل مصنع إلى حماية الموظفين أو تصريف البضائع.

والشركات المتعددة الجنسيات هي شركات تخضع لسيطرة جنسيات متعددة كما يتولى إدارتها أشخاص من جنسيات متعددة وتمارس نشاطها في بلاد أجنبية، على الرغم من أن إستراتيجياتها وسياساتها وخطط عملها تصمم في مركزها الرئيسي الذي يوجد في دولة معينة تسمى الدولة الأم.

وكشف التورط الأمني للشركات المتعددة الجنسيات عن رغبتها في استثمار الحروب لصالحها وشككت في نزاهتها بتوظيف دورها الاقتصادي سياسيا وتحقيق إملاءات الدول الكبرى الراعية لها والطامحة للهيمنة والقيادة العالمية.

وكانت مجموعة “لافارج-هولسيم” وهي إحدى أكبر الشركات المتخصصة في صناعة مواد البناء مثل الإسمنت، اعترفت مطلع مارس بأنها لجأت الى ترتيبات غير مقبولة في 2013 و2014 في سوريا لضمان استمرار عمل مصنعها للإسمنت في الجلابية على بعد 150 كلم شمال شرق حلب، إلى أن صادره تنظيم الدولة الإسلامية وهذا يعني عمليا المساهمة في تمويل مجموعات مسلحة.

وأوضحت المجموعة المنبثقة من اندماج الفرنسية لافارج والسويسرية هولسيم في 2015، في بيان سابق “يظهر بعد التحقيق أن مصنعنا المحلي قدم موارد مالية لأطراف خارجية في إطار ترتيبات مع أفراد من هذه المجموعات المسلحة، وبينها تنظيمات محظورة، بهدف الاستمرار في الشغل وضمان أمن تنقل الموظفين“.

وقد جرت هذه الترتيبات عام 2013، وكان الفرع المعني وقتها تابعا للافارج الفرنسية، وتواصلت حتى إجلاء المصنع في سبتمبر 2014 وفق مجموعة الإسمنت العملاقة. وحسب صحيفة “لوموند” الفرنسية التي فجرت القضية في يونيو 2016، يشير تقرير نشر فيها إلى أن لافارج حصلت على تصاريح من تنظيم الدولة الإسلامية لضمان مواصلة إنتاجها بعد سيطرة التنظيم على حلب عام 2014. ويتعلق الأمر بمعمل الجلبية للإسمنت على بعد 150 كلم شمال شرق حلب الذي اشترته لافارج في 2007 ثم بدأت تشغيله في 2011.

ويتضمن التاريخ الحديث الكثير من الفضائح حيث تقوم شركات بدفع الأموال لفصائل فتؤجج نار الحرب، فقد دفعت شركات زراعية أموالا لقوات شبه عسكرية في كولومبيا بين عامي 1990 و2000. وغذى صاغة لسنوات تهريب “الماس الدم” الذي قامت به مجموعات متمردة في ليبيريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية. كما تتهم شركات لإنتاج الهواتف النقالة بالتزود بمعادن نادرة تستخرج من مناجم تسيطر عليها مجموعات مسلحة في أفريقيا.

وكشف تحقيق مطول أجرته صحيفة “تايمز” البريطانية، أن شركات كبرى أخرى تلعب دورا في تمويل التنظيمات المتطرفة، على رأسها “داعش”، بالملايين من الدولارات، عن طريق الإعلانات على مواقع تلك التنظيمات أو صفحات التواصل الاجتماعي المرتبطة بها.

ظهور إعلان لشركة ما على فيديو ترويجي لـ"داعش"، يربح من وراءه التنظيم الإرهابي 7.6 دولار لكل ألف مشاهدة، علما أن بعض المقاطع المصورة شاهدها أكثر من مليون شخص

وقالت الصحيفة إن إعلانات العشرات من الشركات العالمية الكبرى، ومنها “مرسيدس بنز” و”جاغوار” و”هوندا” عمالقة صناعة السيارات، ومتاجر “ويتروز” البريطانية وغيرها، تظهر على مواقع خاصة بالتنظيمات المتطرفة، أو على صفحاتها على موقع “يوتيوب”، حيث تجني تلك التنظيمات عوائد الإعلانات.

ومن المرجح أن تدر هذه الإعلانات عشرات الآلاف من الدولارات شهريا للجماعات المتطرفة، مثل تنظيمي الدولة الإسلامية والقاعدة.

وعلى سبيل المثال، فإن ظهور إعلان لشركة ما على فيديو ترويجي لـ”داعش”، يربح من وراءه التنظيم الإرهابي 7.6 دولار لكل ألف مشاهدة، علما أن بعض المقاطع المصورة شاهدها أكثر من مليون شخص.

وتتهم بعض وكالات الإعلانات، التي تتولى قيادة الحملات نيابة عن الشركات المعلنة، بأنها تدفع بالماركات نحو الإعلانات على الإنترنت من أجل تحقيق أرباح، بصرف النظر عن الجهة التي سيظهر لديها الإعلان.

ورغم جهود شركات الإنترنت لمنع ظهور إعلانات يمكن أن تمول الجماعات المتطرفة، فإن “تايمز” رصدت إعلانات لـ”مرسيدس بنز” و”جاغوار” مع مقاطع فيديو لأغنية ترويجية لـ”داعش”.

كما ظهرت إعلانات لشركة “ساندلز ريزورتس” العملاقة التي تشغل رحلات سياحية، مع فيديو ترويجي لجماعة “الشباب” الصومالية المرتبطة بالقاعدة. وقال متحدث باسم “مرسيدس بنز” تحدثت إليه الصحيفة، إن الشركة طلبت من وكالات الإعلانات التي تتعامل معها أن “تراجع أو تحدث إن تطلب الأمر” القوائم السوداء للمواقع، التي لا تريد الشركة أن تظهر إعلاناتها لديها. كما قالت متحدثة باسم “ساندل ريزورتس” إن الشركة “تبذل قصارى جهدها لمنع ظهور إعلاناتها إلى جانب محتوى غير مناسب”، مشيرة إلى أن “يوتيوب” لا تصنف مقاطع الفيديو التي تدعو إلى التطرف كمقاطع ضارة.

لكن كيف تصل هذه الشركات الى مثل هذا الحد؟ هل هو خطأ في التقدير؟ أو انزلاق إلى نقطة لاعودة؟ هل هي حرية مبالغ فيها تمنح لوسطاء؟ أم تناقض بين السعي إلى الربح والمبادئ الأخلاقية؟

يقول برتران مونيه، الأستاذ في معهد الدراسات التجارية العليا لإدارة المخاطر الإجرامية إن “أي شركة تعمل في منطقة نزاع أو في مرحلة ما بعد الأزمة تصبح شاءت أم أبت جزءا اقتصاديا من ضمن بيئة عسكرية”، مضيفا أنها “ليست قادرة بالضرورة على إدارة كل التحديات التي تنجم عن ذلك“.

ورأت سيسيل رينوار الفيلسوفة والخبيرة الاقتصادية والأستاذة في معهد المناجم وفي المعهد العالي للعلوم الإقتصادية والتجارية أن المجموعات الكبرى تضع مدونات للمبادئ الأخلاقية لكن “هذا النوع من الخطب ليس عمليا في أغلب الأحيان” وأضافت “في الواقع لا يكفي معالجة التوتر الشديد بمنطق الاقتصاد والحقوق الأساسية“.

وتابعت أن “مبادئ العمل التي تتبناها لافارج تتسم بالتباس كبير بهذا الصدد”، وأن “الشركة تقول إنها تريد أن تكون رائدة عالمية في مجالها وأن تساهم في جعل العالم أفضل” لكن “البحث الدائم عن أفضل أداء اقتصادي ومالي يتناقض حتما مع الحرص على الأخذ بالأوضاع المحلية“.

واعتبر نيكولا برلان المدير المشارك في قسم الأخلاق وإدارة الشركات في جامعة باريس دوفين أنه “في عالم الأعمال هناك الذين يذهبون حيث لا يذهب أحد. الذين لا يلتزمون بشيء. وفي بعض الأحيان يصبحون في أوضاع ملتبسة“.

ولفت إلى أنه في وجود بيئة متقلبة ولضمان الأجور لموظفيهم واحترام التزاماتهم “يحاولون في بعض الأحيان تبني حلول وسط مراهنين على تطور الوضع بسرعة“. والحل الأكثر أمانا هو عدم الذهاب إلى بعض المناطق أو الانسحاب بسرعة عندما تندلع أزمة.

6