الشركات الناشئة سلاح العراقيين للإفلات من البطالة والفساد

"المحطة" و"موصل سبيس" مبادرتان ينقصهما الدعم الحكومي، وتحديات التمويل والبيروقراطية تعيقان طموحات رواد الأعمال.
الاثنين 2019/02/18
وسائل مبكرة للإفلات من شلل الاقتصاد

تعطي ظاهرة تأسيس الشركات الناشئة في العراق بصيص أمل وسط مظاهر الخراب الاقتصادي الشامل في أنحاء البلاد، حيث يحاول الشباب ابتكار أعمال جديدة لتفادي تفشي البطالة والفساد المستشري في جميع أجهزة الدولة.

بغداد - بدأ الشباب العاطل عن العمل في المدن العراقية في استكشاف الفرص، التي يمكن أن توفرها لهم المشاريع الناشئة بعيدا عن القطاع العام، الذي لم يعد بمقدوره احتواء الخريجين سنويا.

وكان القطاع العام في البلد النفطي يستوعب كل الخريجين سنويا خلال عهد الرئيس الأسبق صدام حسين، لكن الأمر بات يستغرق اليوم سنوات تزامنا مع سعي القطاع الخاص لإيجاد مكان له.

وبدأت هذه الظاهرة في البروز خلال العام 2013، لكن اجتياح تنظيم داعش المتطرف للبلاد في العام التالي أبطأ مسارها. ومع طي صفحة “الخلافة”، عادت مساحات العمل المشترك وحاضنات الأعمال لتساعد عشرات الشركات على الظهور مجددا.

وفي العاصمة بغداد، فإن المكان المفضل للقاء الشباب الطامحين لإطلاق أعمال ناشئة، هو “المحطة”، بناء مكعب زجاجي مغطى بلوحات صفراء، حيث يمكن احتساء القهوة، شراء الكتب، أو استئجار مكتب إلى جانب نحو عشرين من رواد الأعمال الشباب.

في المقابل، فإن “موصل سبيس” بات المكان المخصص لإيجاد الاستشارات والمعدات والدعم لدى صالح محمود، ابن الطبيب البالغ من العمر 23 عاما الذي قرر التوجه إلى الهندسة.

60 بالمئة من سكان العراق البالغ عددهم نحو 38 مليون نسمة، هم من العاطلين عن العمل، وفق البيانات

وبعدما أمضى أربع سنوات على مقاعد الكلية، قرر محمود ألا يسير على خطى رفقائه الذين يفكرون في كيفية الحصول على واسطة لتوظيفهم في الحكومة.

ويؤكد الشاب لوكالة الصحافة الفرنسية أن “التعليم في الجامعة لم يكن يرضي شغفي، ليس تعليما نافعا يجعلك تعمل في ما تحب”.

لذلك، فضل محمود إيجاد فرصته الخاصة للتوظيف في بلد تبلغ نسبة البطالة فيه بين الشباب الذين يشكلون 60 بالمئة من عدد السكان البالغ عددهم 38 مليون نسمة تقريبا، 17 بالمئة لدى الشبان، و27 بالمئة لدى الشابات.

ويقول هذا الشاب إن ما بين 600 و700 شاب حضروا بالفعل إلى موصل سبيس لحضور مؤتمر أو بدء مشروع.

وفي أماكن أخرى من المدينة الشمالية التي لم تبدأ فيها مرحلة إعادة الإعمار حتى اليوم، يجلس مهندسان شابان خلف طاولات صغيرة متقاربة، ويصبان تركيزهما على الكمبيوتر المحمول أمامهما.

وعلقت على الجدران لافتات تظهر “مشاكل شباب نينوى”، المحافظة التي تعد الموصل كبرى مدنها، والتي لا تزال تعاني صدمة الحرب وصولا إلى نقص معدات الكمبيوتر.

ووسط هذه الأجواء، يسعى رجل الأعمال الشاب يوسف النعيمي (27 عاما) وفريقه للاستجابة إلى طلبات العملاء.

وتعمل مؤسسة “دكاكينا” التي يديرها النعيمي، في مجال بيع الأجهزة الإلكترونية المنزلية عبر الإنترنت، وترسل يوميا شاحنات صغيرة لإيصال ما بين 10 و15 طلبا إلى أسر تعيد ترتيب منازلها بعد الحرب.

ويوضح مهندس الكمبيوتر الذي بدأ العمل بعد ما كان هو نفسه من زبائن الشراء عبر الإنترنت حين فر إلى هولندا هربا من داعش “عبر الإنترنت، نبيع أرخص من المتاجر لأننا نفقاتنا أقل، مثل استئجار صالة عرض مثلا”.

وقبله، كانت بداية مشروع “مسواق” الذي يعتبر مثالا للنجاح في العراق. فالعام الماضي أعلن المشرفون على المشروع ربحا بلغ مئات آلاف الدولارات، بعد أربع سنوات من إطلاقه.

لكن الأهم ليس النجاح، بحسب ما يؤكد إبراهيم الزراري، أحد منظمي ستارت أب ويك إند، وهو حدث جمع 70 شابا على مدى ثلاثة أيام لإطلاق مشاريع جديدة.

ويرى الزراري أنه على الصعيد العالمي، لا تنجح سوى 6 بالمئة من الشركات الناشئة، لذا فإن ما يقترح على هؤلاء الشباب هو أن توضيح ما هي ريادة الأعمال، ليس بالضرورة للنجاح، ولكن على الأقل للمحاولة.

وكما في الحاضنات، يتم الترويج لمبدأين أساسيين، أولا أن القطاع العام متخم، وثانيا أن النفط ليس المصدر الوحيد الذي على العراق، ثاني أكبر منتج في منظمة أوبك، أن يعتمده للدخل.

ففي بلد يوفر فيه النفط أكثر من 65 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وما يقارب 90 بالمئة من عائدات الدولة، لا تؤمن المحروقات عملا سوى لواحد في المئة فقط من اليد العاملة.

وفي مشروع “المحطة”، وفق ما يقول المدير التنفيذي حيدر حمزوز، هناك محاولات “لخلق جيل جديد بذهنية مختلفة”.

البنك الدولي يرى أن إطلاق شركات ناشئة يبدو صعبا لأن القطاع العام يجذب 4 وظائف من أصل 5 متاحة
البنك الدولي يرى أن إطلاق شركات ناشئة يبدو صعبا لأن القطاع العام يجذب 4 وظائف من أصل 5 متاحة

ويضيف “نريد أن نقول للشباب إنهم يستطيعون البدء بمشروعهم، وتحقيق حلمهم، ليس فقط من أجل الحصول على وظيفة لم يريدوها أصلا”.

ويعتبر ذلك تحديا في العراق حيث أن معدل 4 وظائف من أصل 5 في السنوات الأخيرة، كان عبر القطاع العام، وفقا للبنك الدولي.

لكن بحسب خبراء اقتصاد، فإن هذا الاتجاه سينعكس لأن الدولة لن تكون قادرة على تحمل التكلفة على مدى طويل، وخصوصا أن رواتب الموظفين تشكل أكثر من نصف موازنة العام الحالي.

ورغم ذلك، فبالنسبة إلى كل رواد الأعمال الناشئين، الذين يتحدثون لغة عربية مطعمة بالإنكليزية، يعلم الجميع بأن المهمة ستكون صعبة.

ويحتل العراق المرتبة 168 من أصل 190 وفق مؤشر البنك الدولي للبلدان التي توفر بيئة مواتية للاستثمار.

ولا تزال عملية تنقيح قانون العمل لمساواة حماية عمال القطاع الخاص مع القطاع الحكومي وتعزيز فوائدهم الاجتماعية، في أدراج الانتظار.

كما أن القطاع المصرفي، الذي لا يزال ضعيفا في العراق، يتوخى الحذر الشديد عندما يتعلق الأمر بدعم رواد الأعمال الشباب أو المشاريع الجديدة، بحسب ما تشير تمارا رعد الباحثة في موضوع الشركات الناشئة في العراق.

وتقول هذه الشابة البالغة 26 عاما إن للمصارف دورا لتمارسه وعليها تقديم قروض من دون فوائد ودعم رواد الأعمال الشباب.

ومع المصارف أو من دونها، فإن محمود سبق أن وضع خططه بالفعل للعام 2019. ويقول “سنفتح مساحة جديدة أكبر، وسننظم لقاءات جديدة” بين المصممين والمطورين ورجال الأعمال.

10