الشركات متعددة الجنسيات تؤسس لنظام عالمي متعدد الأقطاب

يشهد العالم، مع تقدم العولمة وتطور تكنولوجيا المعلومات والإنترنت، إعادة تنظيم أساسي للعلاقات الاقتصادية، تلعب فيه الشركات متعددة الجنسيات دورا مركزيا في التطور والنمو، حصلت بموجبه على نفوذ سياسي متميز ونشاط منقطع النظير في زيادة التبادل التجاري والمالي، على نحو اعتبرها البعض “سادة العالم الجدد” لأن دبلوماسيتها لا تقوم على القوة العسكرية والإكراه، وقوتها تنخرط في كسب رهان العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي أصبحت وسائل إستراتيجية أكثر نجاعة.
السبت 2015/11/07
مطار دبي احتل المرتبة الأولى بين مطارات العالم في العام 2014

لندن - شهدت المجتمعات المعاصرة تحوّلا في القيمة المضافة من الاهتمام بالقطاع الفلاحي إلى القطاع الصناعي ومن هذا الأخير إلى القطاع المعلوماتي الذي شهد ثلاث مراحل متعاقبة، تمثلت الأولى في تحصيل قيمة مضافة من سوق المعدات المادية للمعلوماتية، ثم سوق البرمجة، وأخيرا في المعطيات والمعلومات الخاصة.

وركزت البلدان المتقدمة على هذا القطاع الأخير، تاركة مجال إنتاج المعدات والأجهزة إلى آسيا، حيث اليد العاملة رخيصة الكلفة. وتم تفويض إنتاج البرامج الحاسوبية إلى الهند على ضوء التقسيم الدولي الجديد للعمل. وأصبح للمعطيات وتطبيقاتها المختلفة دور كبير في تحصيل قيمة مضاعفة بعد معالجتها ووضعها في السياق التجاري المطلوب.

وعلى خلفية هذه التطورات، بدأ العالم يشهد تطورا ملحوظا في ازدياد الشركات متعددة الجنسيات، حيث ذكرت منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) في تقريرها لسنة 2015، أن هذه الشركات في ازدياد وقد كان عددها يقدّر بـ 7000 شركة في عام 1980، ثم وصل هذا العدد بعد ثلاث سنوات إلى 64000 شركة. وباستعراض اتجاه قوة الاقتصاد العالمي في الفترة الأخيرة، أصبحت هذه الشركات تتحكم اليوم في 100 ألف شركة، وهي تستحوذ على مليون شركة تابعة لها في العالم، مما يجعل قوتها تساهم في تحديد مصير الاقتصاد العالمي وسيرورته، وهي إن لم تحل محل الدولة كليا في تحديد هيكلة النظام العالمي تقريبا، فإنها بلغت شأنا من التأثير، وحدا لا يمكن تجاهله من النفوذ، بل إن تأثيرها يفوق تأثير الشعوب على الحكومات. ممّا يجعل أي فاعل سياسي أو اقتصادي يحسب لها ألف حساب.

وبتوسع سيرورة العولمة، لم تعد التجارة حبيسة المبادلات الدولية وأصبحت أسواق التجارة الدولية إلكترونية، وساعد الابتكار التكنولوجي المعلوماتي على خلق شبكات عابرة للدول تجمع بين اللامركزية والتركيز المكثف. وبالتالي لم يعد ممكنا الاستغناء عن دور هذه الشركات متعددة الجنسية، التي أصبحت تلعب دورا مهمّا في الاستثمار خاصة بعد الأزمة المالية الأخيرة. ففي عام 2014، بلغت الاستثمارات الخارجية المباشرة في البلدان المتقدمة 566 مليار دولار، أي ما يعادل 39 بالمئة من التدفق العالمي، بينما وصلت الاستثمارات الخارجية المباشرة في البلدان السائرة في طريق النمو 778 مليار دولار، أي حوالي 54 بالمئة من التدفق العالمي، فيما توجه الباقي إلى الدول في طور نمو متوسط بينهما.

شركات الطيران الخليجية تفرض نفسها في سماء الشركات الدولية الكبرى وتتفوق على الشركات الغربية

نظام عالمي متعدد الأقطاب

وصل خروج الرساميل من البلدان المتطورة إلى 857 مليار دولار، مما أدى إلى انخفاض نسبة ما تلقته الولايات المتحدة وأوروبا من 50 بالمئة إلى 30 بالمئة في عام 2013. ويعني هذا الانخفاض أن فرصة استقطاب جزء هام من هذه الاستثمارات لتقليل حجم التبعية وتدني نسبة النمو أصبح أمرا واردا في البلدان السائرة في طريق النمو والبلدان الصاعدة (إندونيسيا، المكسيك، السعودية، الإمارات، جنوب أفريقيا، المغرب..) التي أصبحت اقتصادياتها تجسّد فضاء متنوعا ومفتوحا.

ويبدوا واضحا أن هذه البلدان أصبحت أكثر جاذبية وتأقلما مع تطورات الابتكار التقني، وتتوفر على مناخ اقتصادي يغري بالاستثمار فيها بفضل تحسن مستوى الحوكمة والترشيد الذي اتبعته مؤخرا، كما أن بعضها يتوفر على صناديق سيادية مهمة، يمكن أن تساهم في مشروعات مشتركة، وتوجد في تقاطع الممرات البرية والبحرية التي تسهّل التجارة الدولية، كما أن استقرارها السياسي الداخلي يفتح آفاقا واعدة.

والحقيقة أن توسع الأسواق بفضل العولمة الاقتصادية، والتطور التكنولوجي الهائل الذي يساعد على الابتكار، وتجديد وسائل الاستهلاك بسرعة قياسية، كلها عوامل ساهمت في ظهور شركات عملاقة تفوق ميزانياتها بعض الدول. ففي العام 1999 كان الثقل المالي لشركات فورد وميتسوبيشي وميتسوي يعادل ميزانية النرويج وبولونيا والمملكة العربية السعودية. وصنّفت هذه الشركات العملاقة في صدارة مئة فاعل اقتصادي في العالم؛ حيث راكمت هذه الشركات في رصيدها 3000 مليار دولار من السيولة النقدية، وهو رقم يصيب بالذهول في وقت يعاني فيه العالم من أزمة اقتصادية خانقة.

لكن هذه الأرقام يمكن أن تتهاوى في لمح البصر، إذا غيّر المستهلكون وجهتهم نحو شركات جديدة أو ابتكارات أخرى، فمثلا وجدت الشركة الألمانية فولسفاكن نفسها مهددة بسبب فضيحة الغش في المحركات مؤخرا. وبالرغم من أنها تتحكم في شركات سيارات كبيرة مثل أودي وسيات وسكودا وبورش، فهي ليست بمنأى عن انتقام المستهلكين.

ظهور الشركات الخليجية الكبرى متعددة الجنسيات مؤشر على ميلاد قطب اقتصادي آسيوي قوي ومؤثر

ذكر التقرير الأخير للأونكتاد، أن 550 شركة عمومية عابرة للدول تملك 15000 شركة تابعة لها، وتساهم بـ 11 بالمئة من التدفق التجاري العالمي الخاص بالاستثمارات المباشرة في الخارج، ولذلك، أعدّت الكثير من الدول سياسات استراتيجية تهدف إلى جذب الشركات متعددة الجنسيات ذات القدرة الهائلة على الاستثمار في وقت تستعر فيه المنافسة الدولية، بحيث يلاحظ أن الشركات الأميركية تتصدر الكثير من القطاعات، لكن صعود نجم الشركات الصينية والهندية والبرازيلية والروسية والعربية، يساهم أيضا في تأسيس نظام عالمي متعدد الأقطاب، كما أن ظهور شركات جديدة واعدة من دول الخليج العربي والمكسيك وتركيا وإندونيسيا ونيجيريا، يدفع نحو تعدد القطبية بمحور آسيوي قوي للغاية.

ولا بد من أن نوضح أن تصنيف فوربس (Forbes) الأخير في العام 2015، جعل حصة آسيا من 2000 شركة عملاقة تفوق حصة الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، حيث يأتي رقم معاملات البنوك الصينية في المراتب الأولى. وعلى مستوى الفاعلية العالمية، يلاحظ أن البيئة الاقتصادية الخليجية الصاعدة، حفظت للعرب دورهم العالمي في هذه المنافسة المستعرة، خاصة أن بلدانه أصبحت خلال عقدين تتميز بميزة الفضاءات العالمية الجذابة، حيث تثير اقتصادياتها ديناميكية ربحية مندمجة في السوق العالمية، وتحقق نسبة نمو عالية. وذلك بفضل تنويع الشراكات الاقتصادية التي كانت حكرا على الولايات المتحدة الأميركية والدول الغربية في السابق، ممّا ساهم في إنعاش التجارة وجعلها متنوعة ومزدهرة، كما أن الطلب المتزايد على المحروقات من طرف الصين والهند ساهم في تقوية قطاع النفط القوي في الخليج العربي.

الشركات الخليجية متعددة الجنسيات

تحتل شركات الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية في تصنيف مجلة فورتين صدارة الشركات العالمية في مجال البتروكيماويات، وتأتي شركاتها بين قائمة 500 شركة عالمية عملاقة. حيث ساعد سياق الانفتاح الليبرالي والرغبة في تأسيس سوق مشتركة بين دول الخليج، فضلا عن انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية، على تشجيع القطاع الخاص عبر الانفتاح الاقتصادي للأسواق الوطنية والإقليمية، ممّا أدى إلى انتعاش ملحوظ في سوق العمل المحلية، والاستثمار في التعليم لتأهيل الشباب في سوق العمل، وأهّل شركاتها الكبرى بالتدريج لكي تجد منفذا نحو السوق العالمية.

صعود نجم الشركات الصينية والهندية والبرازيلية والروسية والعربية يساهم في تأسيس نظام عالمي متعدد الأقطاب
وبالتالي باتت الشركة السعودية للصناعات الأساسية، تحتل أول مرتبة على الصعيد الإقليمي، وتأتي في قائمة 10 شركات عالمية في المجال الكيماوي، وفي المرتبة 209 عالميا على ضوء تصنيف فوربيس غلوبال 500 الصادر في العام 2015. فيما استطاعت في عام 2007 أن تشتري أهم شركة أميركية (GD PLastics) أحد فروع شركة جنرال إلكتريك، وهي اليوم شركة عملاقة مملوكة للدولة السعودية بنسبة 70 بالمئة، والباقي موزع على مستثمرين خواص في المملكة ومن بلدان الخليج.

واستطاعت شركة الاستثمارات البترولية الدولية التي أسسها الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، مؤسس الإمارات العربية المتحدة في العام 1984، أن تلعب دورا هاما في تسويق عائدات النفط، حيث تقوم هاتين المؤسستين بدور رائد في اقتصاد المنطقة، وفي العالم. كما أن بعض المناطق الحرة كجبل علي في دبي من بين المناطق الاقتصادية التي تتمتع بسمعة دولية كبيرة، وتعرف ديناميكية واسعة في نقل البضائع بين أوروبا وآسيا، وقد لعبت هذه المناطق دورا كبيرا في امتصاص تداعيات الأزمة الاقتصادية في العام 2008، وتجنب تداعياتها السلبية على اقتصاد المنطقة. فيما أثرت السياسات الاندماجية الإقليمية إيجابا في جذب النخبة العالمية، وأثرت حيوية القطاع البترولي والمالي والعقاري بشكل إيجابي في قطاع الاتصالات والنقل، فضلا عن القطاع الزراعي.

وفرضت شركات الطيران الخليجية نفسها في سماء الشركات الدولية الكبرى في ظرف وجيز، حيث استطاعت في العام 2013 أن تنقل 9.22 مليون مسافر، وتتفوق على الشركات الغربية في لندن وفرانكفورت وباريس التي سجلت حركة نقل بلغت 4.22 مليون مسافر فقط. فيما استطاع مطار دبي الرفع من عدد مسافريه من 3.12 مليون مسافر إلى 4.70 مليون مسافر، مما أهله لاحتلال المرتبة الأولى بين مطارات العالم في العام 2014، لينتزع الريادة من جميع مطارات أوروبا، وهو ما جعل الشركات الأميركية تتخوف من هذه المنافسة، وتحاول الضغط على واشنطن لإلغاء اتفاقية “السماء المفتوحة” الموقّعة في عام 1999 مع الإمارات العربية المتحدة دون جدوى. ومازالت الإماراتية تتفوق في مجال طيران الإيرباص أ 380، حيث سجلت طلب 140 طائرة من أصل 317 في العالم.

هكذا بدأت الشركات العربية العالمية تجمع بين وضوح الرؤية والاستراتيجية والهدف، وتتمتع بقدرة كبيرة للمساهمة في عملية التنمية الداخلية والمنافسة الخارجية، فيما حفلت إجراءاتها بالعديد من المبادرات الجريئة لاقتحام زمام المنافسة الدولية عبر استقطاب خبرات محلية ودولية، ممّا سيفتح المجال أمام تنمية حقيقة على كافة الأصعدة.

باحث بمركز أنظمة الفكر المعاصر، جامعة السوربون

7