الشركس في سوريا.. أقلية أجبرها العنف على الرحيل

الثلاثاء 2013/08/13
دمار الحرب يجبر الشركس على الرحيل

دمشق ـ مع احتدام الحرب في سورية وتوسعها لتهدد جميع السوريين بقومياتهم وإثنياتهم، بدأ شركس سوريا بالتسلل نحو الخارج والعودة إلى قوقازهم خوفا من الموت الذي بدأ يحوم حول سوريتهم، وتفقد سوريا شيئا فشيئا تنوعها القومي والاجتماعي والسكاني.

خلال أكثر من سنتين، وقف شركس سوريا بعيدين عن قلب الثورة، مع استثناءات لبعض الناشطين والمعارضين، غير أن الشريحة الأهم منهم وقفت على الحياد، فهي ضد النظام القمعي ومع الديمقراطية لكنها في نفس الوقت خائفة من القادم وتخشى على مكونها الأقلي في سوريا.

تقدّر بعض الأوساط غير الرسمية عدد الشركس في سوريا بنحو 1بالمئة من السكان (100 ألف شخص)، وهم متواجدون في سوريا منذ بداية هجرة الشركس إليها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بعد ثورة القائد (شامل) ضد الحكم القيصري وفشل تلك الثورة، وتكثف هذه الهجرة في مطلع القرن العشرين.

وسكن الشركس في سورية بثلاث مناطق رئيسية، محافظة القنيطرة (هضبة الجولان ـ جنوب شرق البلاد) وكانت تضم الكتلة الكبرى منهم قبل الاحتلال الإسرائيلي للجولان، ومنطقة حلب (مدن منبج وخناصر ـ شمال) وفي مدينة دمشق (منطقة المهاجرين) وبعض القرى في ضواحيها (مرج السلطان) واستقروا في هذه المناطق، وعمل معظمهم في الزراعة وتربية الحيوان باستثناء (سكان المدن). اثنتان من هذه المناطق أصبحت ساحة اشتباكات وحرب شرسة بين النظام والكتائب الثورية والمسلحة، فمرج السلطان تقع في غوطة دمشق التي تشهد يوميا قصفا لا يرحم بأسلحة النظام الثقيلة، وحلب تحولت كلها إلى ساحة حرب يتنافس على السيطرة عليها كل الأطراف.

حصل الشركس على الجنسية السورية وتمتعوا بكامل حقوق المواطنة، وكان منهم نواب ووزراء وضباط وقادة في الجيش، وبعد الاحتلال الإسرائيلي للجولان عام 1967 هاجر معظمهم من الجولان إلى دمشق وضواحيها (منطقة قدسيا) أي أنهم كانوا من أكثر المتضررين من الاحتلال الإسرائيلي (كانت نسبة الشركس في الجولان تشكل 80 بالمئة من عددهم في سورية).

لم يكن للشركس في سوريا أية مشاكل دينية أو إثنية، وقد سُمح لهم بتشكيل جمعيات اجتماعية وخيرية ترعى شؤونهم، وسُمح لهم بالممارسات الفولكلورية الخاصة بهم، وهناك ترابط وثيق بين تجمعاتهم، وتضامن واضح بين بعضهم والبعض الآخر، وهذا ما أتاح لهم الحفاظ على تقاليدهم الأصلية وعاداتهم الاجتماعية، فمازالت تقاليد الزواج (الخطيفة) نفسها، والرقصات التي تعتمد على الإرث الفولكلوري العريق هي نفسها أيضا، بالإضافة إلى التقاليد والعادات اليومية الكثيرة التي يعمل الشركس على الحفاظ عليها ونقلها بين الأولاد من جيل إلى آخر. شارك الشركس كغيرهم من فئات الشعب السوري في الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية السورية ومازالوا، ونظرا لقلة عددهم وتبعثرهم على المناطق السورية المختلفة فلم يكن بإمكانهم إصدار صحف بلغتهم أو حتى فتح مدارس خاصة بهم، وهذا ما أدى بكثير منهم إلى نسيان لغتهم الأصلية، وعدم استطاعتهم التحدث بها.

وبدلا من الهجرة والتشرد في بلاد جديدة، آثر قسم كبير من الشركس أن يعود إلى مسقط رأس آبائه وأجداده، وعاد إلى جمهوريات روسيا وخاصة الإسلامية منها، ولا توجد إحصائيات تقديرية لعدد المغادرين، إلا أنه ومهما كانت أعدادهم بسيطة فإن خسارتهم تعتبر خسارة لسوريا التي بدأت تفقد تنوعها وغناها الإنساني.

13