الشرير في السيارة

لشارل شهوان نظرة إيجابية اشتغل عليها عميقا، وهو المقاتل في زمن الحرب، والذي خسر العديد من أصدقائه المقاتلين في عز "حرب الشوارع" التي تمزقت بها بيروت.
الجمعة 2018/08/24
من أعمال الفنان والشاعر شارل شهوان

ابلع قرصا من المادة المنظفة، اطل جسدك بمادة مشتعلة ثم اضرم النار فيه، ضع قطعة ثلج على جلدك لأطول فترة ممكنة، وتنشق غبار القرفة أو غادر عربتك السائرة لتغني أغنية مشهورة، ولا بأس إن صدمتك السيارة فقد أصبحت شهيرا وأنت تعبر عن حبك لكائن مجهول أو غير موجود، هذه ليست أمثلة على أساليب التعذيب، إنها أمثلة عن مسابقات التحدي طالت فئة عمرية يافعة على شبكات التواصل الاجتماعي.

بعض هذه المسابقات وصلت إلى حد مُطالبة المُشترك بالانتحار أمام عدسة الكاميرا، أو الاختفاء عن الأهل الذين سيدب فيهم الذعر والخوف من عمليات سرقة أعضاء أو اغتصاب.

وهكذا، وفي وسط زمن الفراغ العاطفي والرغبة في لفت النظر، أصبح لأهل العسكرة والسياسة ندّ عصري/ إلكتروني يهدف ليس إلى استغلال الطاقة الثورية للشباب وتجييشهم للتسلح من أجل “قضايا” مُحقة هي في معظمها مجرد تنفيذ لمخططات اعتداء، لا بل دفعها نحو اتجاهات ليست فقط عبثية في المضمون، ولكن أيضا في المظهر.

معروف ما أدت إليه ممارسات الساسة من قتل ضحايا الأوهام وضحاياهم، ومن آثار نفسية فادحة طالت حياة الأحياء منهم وقد أدركوا أنهم تم استغلال اندفاعهم، طبعا لا يطال هذا الأمر القضايا الكبرى المتعارف عليها عربيا، وحتى هي في بعض ثناياها أدت وتؤدي إلى غير المُبتغى النبيل كتحرير أرض من غاصب على مدى عقود من الزمن.

وإن كان ثمة فنان تشكيلي/ رائي مثلا، ومنذ فترة التسعينات التي تلت فصول الحرب اللبنانية ما آل إليه جيل تعرض إلى التجييش واستغلال الطاقة الثورية، فهو الفنان والشاعر اللبناني شارل شهوان، فقد قدم معرضين فرديين هامين حول هذا الموضوع بطرافة سوداوية وخفة قل نظيرها ضرّجها بألوان مُفرحة أراد بها أن يحوّل المأساة إلى فرح والثقل إلى خفة تبعد كل البعد عن التفاهة.

من أعمال الفنان والشاعر شارل شهوان
من أعمال الفنان والشاعر شارل شهوان

في لوحاته حفنة من الشباب “النظيفين” في داخلهم، وإن بدوا مدججين في الشوارع بالأسلحة والجنون، وببراعة لا متناهية جعل الفنان من هؤلاء النحيلين، الطويلي القامة، والمخبئين نظراتهم خلف نظارات شمس، موسيقيين مع آلاتهم الموسيقية التي حملوها كالأسلحة ليعزفوا لحن الحياة لا الموت، لحنا مُكفكفا للجراح.

في ذات الوقت رسم الفنان بحركات “أكريليكية” نزقة، المشاركين اليافعين المعتبرين أنفسهم نجوما مهما كان الثمن وأبطالا جريئة، كالنسخة الكاريكاتيرية عن محاربي الشوارع، حتى قبل زمن مواقع التواصل الاجتماعي.

لشارل شهوان نظرة إيجابية اشتغل عليها عميقا، وهو المقاتل في زمن الحرب، والذي خسر العديد من أصدقائه المقاتلين في عز “حرب الشوارع” التي تمزقت بها بيروت.

يقول الفنان بصدق صاعق وفي كلمات مؤثرة ومُتناثرة هنا وهناك في مقابلات صحافية، وهو الشاعر في ديوانه “شرير في سيارة”، “أقصد في لوحاتي الحرب بأكملها.. حاولت أن أدخل على شيء ما.. أشعر أن هذا العنف الموجود ليس فقط في الشارع، إنما موجود حتى في الخطاب السياسي، وفي الحياة اليومية وفي قيادة السيارات، أنا جمّلت الأشياء، حيث بدت في مكان ما وكأني أحتفي بالموضوع، المقاتلون يعبرون بطريقة ما عن ثورة داخلية، أحيانا نعبر بإطلاق الرصاص.. نحن جيل من الصبيان نهوى لعبة الحرب بالغريزة، أصدقائي كانوا مقاتلين حقيقيين أكثر مني، ربما أعوّض عن ذلك بالرسم، ليس كل المقاتلين أشرارا دائما”.

المسلحين في لوحات شارل شهوان هم هؤلاء الذين أختبر معهم الخطر والموت والحقائق والأحلام على السواء، هم لا يزالون هناك في أرض المعركة لكن لا يموتون، ولا يُجرحُون.

الشاعر الفنان أعطاهم فرصة جديدة للحياة بذات الطاقة التي أدت إلى خيباتهم أو مقتلهم، تذكر شخوصه المقاتلة بأبطال فيلم “القاتلون بالفطرة” الذين أصبحوا في الفيلم نجوما في نظر الميديا التي تتبع أعمالهم، وبلسان أحد أبطال الفيلم “أتعلم.. أن الشيء الوحيد القادر على قتل الشيطان، هو الحب”، أو الموسيقى.

17