الشطط في "رأي الشرع"

الاثنين 2013/11/04

القانون يعاقب المجرم. هذا بديهي. القانون يعاقب من يُحرض على الجريمة. وهذا أيضاً بديهي. لكن السؤال الآن، ماذا يقع حين يتخذ التحريض على الجريمة صفة فتوى دينية أو رأياً شرعيا أو اجتهاداً فقهيا، فهل يكفي هكذا توصيف لغاية الإفلات من المحاسبة والعقاب؟

هذا ليس سؤلا افتراضياً، فلدينا من الشّواهد ما لا يُعدّ ولا يُحصى: فقد سبق للشّيخ محمود شعبان أن أفتى بوجوب قتل كل من محمّد البرادعي وحمدين صباحي وبأنّهما في حكم «من ينازع الإمام»، ثم استدرك زاعماً بأنّ ما تفوّه به ليس فتوى بل مجرد «رأي شرعي» (هكذا). وأيضا، سبق لشيخ الشاشة محمد العريفي في إِحدى خرجاته أن دافع عن تنظيم القاعدة وعن «الشّيخ» أسامة بن لادن، ثمّ ما لبث أن استدرك بعد ساعات معدودة معلناً بأنّ ما قاله مجرّد خطأ اجتهادي تاب عنه. وكذلك سبق للشيخ عبد الرحمن البراك أن قام بتكفير عدد من الكتاب المعروفين قبل أن يستدرك بأنّه لم يكن يقصد تكفير أشخاص بعينهم، وإنما كان يقصد تكفير مقالاتهم (هكذا). هذه نماذج فقط، وغيرها كثير. وهذا مجرّد غيض من فيض ممّا لا يسعنا ذكره.

رغم ذلك، ليس هذا هو ما يثير الاستغراب طالما أن التسرع في الأحكام والإسهال في الأقوال وإطلاق العنان لسلاطة اللسان من سمات المزاج الأصولي في كل زمان ومكان، لكن المستغرب له بالفعل أن يُقال عن فتاوى القتل؛ إنها مجرّد آراء شرعية تتمتّع- في كل الأحوال- بكامل الحق في التعبير. والأدعى للاستغراب أن يبقى المفتي المحرض على القتل- حتى في أسوأ النتائج وأكثرها كارثية- محتفظاً لنفسه بأجر «من اجتهد فأخطأ».

فإلى متى سيبقى الخطاب الديني خارج حكم القانون؟

كثيرة هي الفتاوى التي تستبيح دماء النّاس وأعراضهم تحت طائلة «رأي الشّرع». والأمثلة كثيرة. والسّؤال، هل يكفي أن تصف الفتوى نفسها بأنّها رأي شرعي حتى تضمن لنفسها الحصانة من المساءلة القانونية؟ هل يكفي أن يحمل المحرض على الجريمة صفة عالم دين، أو خطيب جمعة، أو مفتي جمهورية أو مملكة أو حزب أو جماعة أو خلية نائمة أو يقظة، حتى يضمن لنفسه الإفلات من المحاسبة القانونية؟ هل تكفي العمامة أو اللحية أو السّبحة أو زبيبة الصلاة أو غيرها من لوازم الشغل حتى يصبح التّحريض على القتل رأياً شرعيّاً واجتهاداً دينياً إن «أخطأ» صاحبه فله أجر من أخطأ على أقل تقدير؟ فهل فوق هذا المروق مروق أفظع؟ وهل فوق هذا الشطط شطط أشنع؟

بمعزل عن لغو الكلام، يجب أن يكون موقف دولة الحق والقانون واضحاً لا لبس فيه: كل من يُحرض على الجريمة أو يدعو إلى القتل يعتبر مجرما، ويجب أن يعاقَب كمجرم، سواء سمّى دعوته فتوى فقهية أو رأياً دينياً أو اجتهاداً شرعياً، أو سماها «معلوم الدين بالضرورة» كما يقولون، لا فرق؛ إذ لا يجوز أن يبقى الخطاب الديني فوق المساءلة القانونية وخارج المحاسبة الأخلاقية، وإلاّ سيأتي زمن تُصبح فيه المسافة الفاصلة بين الخطاب الديني والسلوك الإجرامي تساوي صفر.


كاتب مغربي

8