"الشعبونية"عادة نابلسية لتوطيد صلة الرحم

الجمعة 2014/06/20
عادة اجتماعية مهددة بالاندثار بسبب الظروف الحياتية

نابلس- توارثت عائلات مدينة نابلس (شمالي الضفة الغربية)، عادة اجتماعية منذ عشرات السنين، يمارسون طقوسها في شهر شعبان من كل عام هجري، لتأخذ تسميتها (الشعبونية) من اسم هذا الشهر.

تتلخص عادة “الشعبونية” بدعوة رب الأسرة لبناته وشقيقاته وأخواته للإقامة في منزله لثلاثة أيام، يقمن فيها الولائم، ويقدمن الحلوى التي تتربع الكنافة النابلسية في مقدمتها، فيما تحرص عائلة المضيف على إعداد أصناف مختلفة من الطعام.

ومع مرور الأيام واختلاف الظروف الحياتية لدى الكثير من العائلات، طرأت بعض التغيرات في تفاصيل “الشعبونية”، فبعد أن كانت في السابق تستمر لثلاثة أيام بلياليها، باتت تقتصر اليوم على دعوة لتناول الغداء والحلوى دون المبيت في منزل المضيف.

وعن عادات العائلات النابلسية، روت الحاجة خيرية أبو غضيب (82 عاما) بعضا من مشاهد الشعبونية قديما، قائلة: “قبل عشرات السنين كانت الشعبونية قضاء يومين أو ثلاثة في بيت المضيف، تقدم خلالها وجبة الغداء والعشاء والكنافة النابلسية، وبعد الغداء تبدأ النسوة والبنات بالغناء والرقص في جو يملؤه الفرح والضحك”.

واستدركت قائلة: “اليوم الحياة تغيرت، وأصبحت الشعبونية تقتصر على الدعوة لتناول الغداء، وبعدها تقدم الحلوى ويمكن أن تمتد لسهرة بسيطة بالليل، فالأوضاع الاقتصادية والمعيشية لم تعد تسمح بأن يستضيف الرجل قريباته لعدة أيام”.

وعدا مقصد توطيد الأرحام في الشعبونية، فلها مآرب أخرى في بعض الأحيان، فخلالها ربما يقع الاختيار على أحد بنات العائلة ممن هن في سن الزواج، لتكون عروسا لأحد الخاطبين.

ومع حلول شهر شعبان هذا العام، امتنعت بعض العائلات بنابلس من ذوي الأسرى عن الشعبونية، تضامنا مع الأسرى المضربين عن الطعام في السجون الإسرائيلية منذ نحو 52 يوما.

عائلة الصحفي الأسير لدى إسرائيل محمد منى، والمضرب عن الطعام، كانت تحرص كل عام على إقامة الشعبونية ودعوة نساء العائلة في جو يملؤه الفرح والبهجة، إلا أنها هذا العام امتنعت عنها، في ظل قلقها المتزايد على حياة محمد جراء الإضراب المفتوح عن الطعام.

وقالت سوسن أبو العلا زوجة محمد: “في كل عام كنا ندعو نساء العائلة للشعبونية، نستقبلهن في أجواء أشبه بالعرس، فرح وبهجة وإعداد أشهى المأكولات، وتقديم الكنافة، لكن هذا العام لم تُقم الشعبونية في بيتنا، حتى أن هناك من قريباتنا من رفضن دعوة عائلاتهن لهذا السبب”. وأضافت: “منذ بداية الإضراب في السجون ونحن لا نتناول الطعام بشكل طبيعي في المنزل، كما أننا نقضي كل وقتنا في خيمة الاعتصام (المقامة على ميدان الشهداء وسط نابلس)”.

الشعبونية لها مآرب أخرى في بعض الأحيان فخلالها ربما يقع الاختيار على إحدى بنات العائلة ممن هن في سن الزواج لتكون عروسا لأحد الخاطبين

أستاذ علم الاجتماع في جامعة النجاح الوطنية ماهر أبو زنط، أشار إلى أن الشعبونية “عادة فلسطينية قديمة، تركزت في مدينة نابلس تحديدا نظرا لطبيعة المجتمع التي كانت تنحصر قديما في البلدة القديمة”.وأضاف قائلا: “كان الزواج لدى العائلات النابلسية داخليا غالبا، الزواج يكون من نفس العائلة، أو نفس المدينة، وكانت تتم دعوة القريبات في العادة وأزواجهن وأولادهن في شهر شعبان، وهذا ساهم في تقاربهن، فكنّ يقِمن الولائم لقريباتهن وتجتمع العائلات وتبيت في منزل المضيف لمدة ثلاثة أيام”. وتابع: “تعتبر هذه العادة من العادات الأصيلة بالمدينة، ففيها توطيد لصلة الرحم, والعلاقات الاجتماعية”.

ولفت أبو زنط للاختلاف الذي طرأ على بعض من طقوس العادة النابلسية: “الآن تختلف الشعبونية بأنه لا يوجد فيها نوم كالسابق، كما ان هناك بعض العائلات لم تعد تلتزم بها نظرا لانشغالات الناس وطبيعة الحياة، إلا أنها لا تزال موجودة ولكنها تقتصر عند الأغلبية على الدعوة للغداء أو العشاء”.

وتابع: “لا شك أن هذه العادة تسهم في توطيد العلاقات الاجتماعية وصلة الرحم، وأنا أشجع على التمسك بها، فهي تقرب الناس كما في شهر رمضان المبارك”.

وحول الوضع الاقتصادي وانعكاسه على الشعبونية قال: “تناقص هذه العادة لدى الناس لا يرتبط بالدرجة الأولى بالمال بقدر ارتباطه بطبيعة الحياة وانشغال الناس”.

وتشتهر مدينة نابلس بتمسك أهلها بعادات اجتماعية تميزها عن باقي المدن في فلسطين، لا سيما في شهر شعبان ورمضان، وفي المناسبات الاجتماعية والدينية طوال العام.

20