الشعبوية البائسة.. تجديد ديني على نهج مؤتمرات الشباب

لم يأبه الذين وضعوا قدما في الأندلس وأخرى في الصين لأحاديث الآحاد، ولم يدرسوا المذهب الأشعري. بلغوا تلك الأقاصي قبل وجود ما سمّي لاحقا بالتراث وكان بعضهم يصنع هذا التراث.
السبت 2020/02/01
مؤتمر الأزهر العالمي يمر بجانب الحدث

أسوأ بداية لعام 2020 ألاّ ينجح «مؤتمر الأزهر العالمي للتجديد في الفكر الإسلامي» إلاّ في الإلهاء العمومي بامتياز، ويصرف أنظار المصريين عن أخطر تحوّل في مسار ومصير القضية الفلسطينية، منذ وعد بلفور عام 1917 وهزيمة يونيو 1967 وزيارة أنور السادات للقدس عام 1977. فبعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض وإلى جواره رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، تعهّد بلاده بأن تظل القدس عاصمة «غير مقسمة» لإسرائيل، شهدت القاهرة مباراة شعبوية نقلها التلفزيون مباشرة، حول قضية علمية يفترض أن تكون ذات طابع بحثي يتسم بحد أدنى من الرصانة، بعيدا عن حشود التصفيق والهتاف. ولكن شيخ الأزهر حسم الأمر بالدعوة إلى عدم المساس بالتراث.

عنوان المؤتمر محدد بتجديد الفكر، والفكر بالضرورة بشري خلافي وتفاعلي وتراكمي ونسبي، ويرتبط بسياقه التاريخي وحظوظ أصحابه من الوعي. ولا علاقة لهذا المؤتمر بالعقيدة وثوابت الدين وأركانه وشعائره.

لكن الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر فجّر ببساطة فكرة المؤتمر قائلا “ابحثوا عن مشكلة غير التراث.. حرب التراث وحرب الحداثة شيء مصنوع صنعا… الحرب الحقيقية أن جامعاتنا في أكثر من قرن من الزمان.. ومراكز البحث العلمي حتى الآن مش قادرين نصنع كاوتش سيارة”.

ولعله يتحمل جانبا من المسؤولية؛ بحكم رئاسته لجامعة الأزهر لسبع سنوات، فما ثمرة الإنفاق على طلاب كليتيْ الهندسة والعلوم بالأزهر؟ وفي استدعاء البكاء على «الكاوتش» صرْف دراميّ ذكيّ للأنظار عن طبيعة المؤتمر، باستخدام مفردات تهيّج مشاعر الجماهير من مشاهدي التلفزيون، ومعهم حضور أغلبه من الأزهريين يريح ضمائرهم قول شيخ الأزهر “الحداثيون حين يصدّعوننا بهذا الكلام مزايدون على التراث، ومزايدون على قضية الأمة المعاصرة”. ولا أتصور أن ترد كلمة منبرية مثل “يصدّعون” في بحث أو مؤتمر علمي.

هذا المؤتمر من ثمار شعبوية بائسة انتقلت عدواها من الأداء السياسي إلى الفكر الديني. وأرجّح أن ضغوطا مورست لانعقاده، ولا أريد العودة إلى ما ذكرته في مقال “ابتذال المعنى في قضية تجديد الخطاب الديني”، في صحيفة “العرب” في الـ12 من مايو 2015، ويحمل شكوكا في جدوى شعار أطلق بأمر رئاسي في بداية عام 2015؛ لأن الذين وجهّت إليهم الدعوة إلى التجديد هم الأكثر حرصا على التقليد وحماية التراث.

ولا يمكن الرهان على آمال في تجديد الفكر الديني في ظلال خطاب سياسي أحادي سلفي. وسبق أن قلت في مقال “معضلة الخمر في دولة شبه دينية شبه مدنية” إن من يتأمل الخطاب الرئاسي يظن صاحبه “واليا على إمارة إسلامية”، “فبدلا من الاحتكام إلى دستور ينص على محاسبة رئيس الدولة، يحيل عبدالفتاح السيسي تقييم أدائه إلى العدالة في الآخرة، وأن الله وحده من يحاسبه”. ويتأكد هذا الخطاب السياسي في مؤتمرات يحشد لها الآلاف من المدعوين من شباب العالم، لكي نفسّر لهم الماء بعد الجهد بالماء، ونقول لهم إن الإرهاب أسود.

يختلف المؤتمر العلمي عن خطاب شعبوي يؤكد عجز اللغة العربية عن احتمال النقاش. ولن يبقى من هذا “المؤتمر” إلا سجال بين رئيس جامعة القاهرة محمد عثمان الخشت وشيخ الأزهر أحمد الطيب. كلاهما مرتبط بالسلطة. وليس الأول رمزا للتجديد. والثاني لا يلخّص الإسلام وليس حارسا على التراث، وقال في برنامج تلفزيوني إن الحزب الوطني (حزب حسني مبارك) والأزهر كالليل والنهار، كالشمس والقمر لا يمكن الاستغناء عن أيّ منهما. ولم يفكر في الاستقالة من الحزب الوطني حفاظا على هيبة مقام شيخ الأزهر.

ورئيس جامعة القاهرة فيسهل الاستدلال على التباس الفكر والسياسة في أدائه، ففي كتابه “أقنعة ديكارت العقلانية تتساقط” يحاول إثبات لاهوتية فلسفة ديكارت، وأنه “كان يؤكد دوما بإصرار أنه ما من حقيقة فلسفية في مذهبه يمكن أن تكون متنافية مع حقيقة العقائد المسيحية المنزلة”.

وفي أبريل 2019 وقف على مسرح مكشوف في ساحة الجامعة، وهتف “مين بيحب مصر؟”، وجاءته إجابات، فردّ عليها “مش سامع”. الرجل الذي يجلس مكان أحمد لطفي السيد قدم إلى الطلاب رشوة؛ لإغرائهم بالتصويت بالموافقة على تعديل الدستور، فأعفاهم من مصاريف الإقامة بالمدينة الجامعية شهرا، وأعفى الذين لم يسددوا مصاريف عام 2019 من دفعها. وأعلن عن منح 5 بالمئة من درجات التخرج لكل طالب في السنة النهائية، “الخمسة في المئة على جامعة القاهرة”. وتساءل “نقول كمان؟”، وردد “تحيا مصر”، وأهدى الطلاب عطلة بخمسة أيام.

ولكن كلام رئيس جامعة القاهرة، في “مؤتمر الأزهر العالمي للتجديد في الفكر الإسلامي”، أكثر عقلانية من انفعال شيخ الأزهر الذي أكد كثيرا أن مقولة التجديد “موجودة في قلب التراث. هذا التراث الذي نهوّن من شأنه اليوم، نهوّن ونهوّل في تهوينه، حمل مجموعة من القبائل العربية التي كانت متناحرة ولا تعرف يمينا من شمال، في ظرف ثمانين عاما، إلى أن يضعوا قدمهم في الأندلس وقدمهم الأخرى في الصين، لأنهم وضعوا أيديهم على مواطن القوة في هذا التراث”. وأضاف أن “مقولة التجديد مقولة تراثية، وليست مقولة حداثية”، وهنا تعالى التصفيق مع هتاف “الله”، فرحا بالانتصار على أعداء التراث.

وتخللت كلمة شيخ الأزهر مقاطعات بالتصفيق بين جملة وأخرى، وضحكات وتعليقات استهجان للرأي الآخر، حتى اقتضى بعضها من شيخ الأزهر أن يشير إلى صاحب التعليق بالصمت، ويأمره “اجلس”، على طريقة زعماء الأحزاب في المؤتمرات الانتخابية.

لو كان هذا المؤتمر علميا بالفعل لبحث تاريخية وضع قدم في الأندلس وقدم في الصين، وقارنها بما يمكن أن يفخر به بريطانيون من ماض لم تكن الشمس تغرب فيه الإمبراطورية، وكذلك الفرنسيون في أعماق أفريقيا، والهولنديون في سومطرة. وربما جرؤ أحدهم على مقارنة القادة والساسة المنتصرين منذ الإسكندر مرورا بعمرو بن العاص وطارق بن زياد ونابليون وصولا إلى جورج بوش. وقد استندوا جميعا إلى حقائق القوة، تحت غطاء أخلاقي.

لم يأبه الذين وضعوا قدما في الأندلس وأخرى في الصين لأحاديث الآحاد، ولم يدرسوا المذهب الأشعري. بلغوا تلك الأقاصي قبل وجود ما سمّي لاحقا بالتراث، وكان البعض منهم يصنع هذا التراث، محكوما بظرف تاريخي لا يستنكر الإغارة وتخيير مواطنين مسالمين بين اعتناق الدين ودفع الجزية. وبعد ارتقاء الضمير الإنساني جرّم قتل الأسرى والاسترقاق وتوزيع السبايا. فكيف يستدعي مثل هذا التراث في مؤتمر للتجديد؟

9