الشعبوية تعقّد أداء تونس في أزمة الحجر الصحي

الجهات المالية تتخوف من أن يتم صرف الجزء الجديد من قرض البنك الدولي في ترضية الخطاب الشعبوي للأحزاب الحكومية أو المعارضة الساعية لاستقطاب الشارع عبر المنح.
الثلاثاء 2020/04/14
أزمة تكشف محدودية الأداء

تضغط فئات مختلفة على السلطات التونسية من أجل العودة التدريجية إلى الحياة العملية، بدءا من رجال الأعمال الذين لم يخفوا من البداية رفضهم لاختيار العزل الجماعي الكامل في البلاد، وصولا إلى الفئات الهشة من ذوي الأعمال غير القارة.

وتجد حكومة إلياس الفخفاخ، التي حصلت على تفويض من البرلمان وبدأت بإقرار مراسيم طوارئ، نفسها في وضع صعب بين دعوات البقاء في البيت لتجنّب الانتشار السريع للفايروس والعجز عن مجابهته لقلّة الإمكانيات، وبين حاجة فئات كثيرة للعمل وتوفير حاجياتها، خاصة أن أداء الحكومة في توفير الضروريات خلال شهر من الأزمة كان مرتبكا وطغى عليه الجانب الاستعراضي.

وبات واضحا أن الحكومة، التي تتشكل في أغلبها من وزراء ومسؤولين بلا تجربة في الحكم، قد وجدت نفسها في موقف صعب بعد أن رفع الخطاب الشعبوي للمسؤولين السياسيين من انتظار الشعب للدعم الحكومي، حيث بدا الناس ينتظرون أن توفر لهم كل شيء وبسرعة كبيرة بالتزامن مع إغراءات العزل الإجباري، لكن الصدمة كانت كبيرة بسبب شحّ الأساسيات وارتفاع الأسعار وشيوع قصص المحسوبية والولاءات في توزيع المواد الغذائية. وقاد موجة الشعبوية الرؤساء الثلاثة أنفسهم (الجمهورية والحكومة والبرلمان)، وأظهر رئيس البرلمان راشد الغنوشي نفسه، وهو يتبرع بشيك أمام وسائل الإعلام، وذلك كردّ مباشر على تبرع الرئيس قيس سعيّد بمبلغ مالي في مؤسسة للبريد، فيما أطلق رئيس الحكومة وعودا كثيرا مع كل ظهور إعلامي لإقناع الناس بجدوى الحجر الصحي، لعل أكثرها شيوعا تهديد رجال الأعمال ممن يرفضون التبرعات بحملهم على ذلك بطرق أخرى.

لقد بدا ظهور المسؤولين في الدولة، وكذلك استعراض بعض السياسيين والنواب لتبرعاتهم وأنشطتهم الإنسانية، في صورة تنافس في حملات انتخابية سابقة لأوانها، مع أن الانتخابات مازالت بعيدة، وهذا التنافس زاد من الضغوط على دولة هشة وإمكانياتها محدودة، ولم تتعوّد على تحديات من هذا الحجم في مناسبات سابقة.

وأنتجت الانتخابات فوزا كبيرا لتيارات تصنّف نفسها كأحزاب ثورية تعتقد أن الدولة مهمتها أن تصرف على التعليم والصحة وتؤمم النفط وتلغي كل الاتفاقيات السابقة، وهي صورة للدولة الاشتراكية القديمة التي فشلت في تجارب مختلفة بالمنطقة وأنتجت إدارة مترهلة يسيطر عليها الفساد، وزرعت في الشعوب التواكل والانتظار.

لكن الفارق هنا أن تونس ليست دولة نفطية لتتولى استنساخ التجارب القديمة والإنفاق على شراء السلم الاجتماعي مثلما يحدث في الجارة الغربية الجزائر، فالدولة تتولى بالكاد الإيفاء بالتزاماتها المحلية في الصحة والتعليم والخدمات الضرورية، فضلا عن أنها تلجأ في تحقيق ذلك إلى القروض متعددة الجهات، وخاصة من المؤسسات المالية الدولية.

وزاد الضغط على الدولة بعد الثورة بسبب سياسة الترضية متعددة الوجوه خاصة في العلاقة باتحاد الشغل وما تعلّق بزيادة أجور مئات الآلاف من الموظفين، ومحاولة استرضاء المؤسسة الأمنية والعسكرية بزيادات متسارعة في السنتين الأوليين للثورة، وهي سياسة جعلت حكومات ما بعد الثورة تصطدم بلاءات صندوق النقد والبنك الدولي ودول مانحة أخرى تشترط توظيف الأحوال في دعم الاستثمار وتوفير مواطن الشغل بدلا من السياسات الاستعراضية.

الحكومة التي تتشكل في أغلبها من وزراء ومسؤولين بلا تجربة في الحكم تجد نفسها في موقف صعب

ويسود تخوف لدى الجهات المالية أن يتم صرف الجزء الجديد من قرض البنك الدولي الذي تم إقراره مؤخرا، وقيمته 745 مليون دولار في ترضية الخطاب الشعبوي للأحزاب الحكومية أو المعارضة التي تسعى إلى استقطاب الشارع عبر المنح والمساعدات الاجتماعية، وهو خيار قد يهدئ غضب الشارع بشكل مؤقت في فترة الوباء، لكنه سيتحوّل إلى ورقة ضغط مستقبلية على أي حكومة تعمد إلى سياسات تقشفية لإنقاذ الاقتصاد.

وتُشد الأنظار إلى المراسيم التي بدأت حكومة الفخفاخ بإصدارها من يومين، وهل ستتمكن من معالجة مخلفات الوباء بشكل عادل يعطي الدعم للمتضررين بما في ذلك المؤسسات الاقتصادية، صغرى ومتوسطة وكبرى، أم ستواصل الحكومة الخيار الشعبوي القائم على إظهار الدعم للفقراء دون أن يصل إليهم، وإذا وصل فسيكون محدودا وبلا قيمة في ضوء ارتفاع الأسعار واحتكار المواد الأساسية في حياة الناس.

إن الشعبوية تخفي حقيقة أن هذه الحكومة ضعيفة وخائفة بسبب محدودية التجربة، وخاصة لغياب التوافق بين مكوّناتها المتنافرة التي صعدت إلى البرلمان بالشعارات وتجد نفسها مُجبرة على المقامرة بالدولة وإمكانياتها لإرضاء جمهورها الانتخابي.

وتجري تسريبات عن وجود خلافات قوية بين الوزراء، حيث ينتصر شق لوزير الصحة عبداللطيف المكي، الذي يتمسك باستمرار الحجر الصحي لأسابيع أخرى لحين زوال خطر كورونا، فيما يتمسك الطرف الآخر بالعودة التدريجية للحياة العملية وعدم التضحية بالاقتصاد.

لقد أعطى بكاء وزير الصحة منذ أيام إشارات قوية على أن الحكومة واقعة تحت ضغط ولا تدري كيف ستتحرك خاصة في ظل تحدي الشارع لقراراتها، خاصة أن هذا التحدي يعود إلى خطوة غير مدروسة ومناقضة تماما لقرار وزارة الصحة من وزير الشؤون الاجتماعية، الذي أطلق قنبلة الدعم المالي ما جعل عشرات الآلاف يتجمعون أمام مقرّات البريد والمؤسسات المحلية الأخرى بحثا عن المساعدات.

لكن الخطر الأكبر، وفق أوساط مختلفة، هو الحملة على رؤوس الأموال وتشويه المستثمرين واستعمال مواقع التواصل الاجتماعي لابتزازهم عبر حملات منظمة، ما قد يدفع ما تبقى منهم إلى الرحيل أسوة بالمئات منهم الذين قرروا مغادرة البلاد في بدايات الثورة بسبب الإضرابات والابتزاز النقابي واختاروا الاستقرار في بلدان تسمح بحماية أموالهم.

وتشير هذه الأوساط إلى أن الأحزاب الحاكمة إذا لم تراجع خطابها في التعاطي مع المسألة الاقتصادية، فإنها ستضع أرضية لركود طويل يتجاوز توقعات صندوق النقد الدولي الذي يتوقع انكماشا في حدود 4.3 في المئة. وترتفع دعوات مجهولة تلقى رواجا على مواقع التواصل لمصادرة أموال رجال أعمال، أو الضغط عليهم لخلاص قروض، فضلا عن سنّ ضرائب جديدة ضدهم، كان آخرها مقترح حزب العمّال المعارض طالب الحكومة باعتماد “ضريبة كورونا” على الثروات ورؤوس الأموال.

إن أزمة الحجر الصحي قد كشفت محدودية الأداء الحكومي في حلّ الأزمة والسعي إلى توفير بدائل حقيقية لإنقاذ البلاد بتشريك مختلف الفرقاء في الحوار ومراعاة مصالح الجميع، والتخلّي عن الحملات الانتخابية وتأجيلها لوقتها.

7