الشعبوية تهدد بخنق الاقتصاد العالمي

الجمعة 2017/03/03

يحتل الحديث عن الشعبوية الاقتصادية اليوم حيّزا كبيرا في النقاشات السياسية، حيث تبدو وكأنها وباء ينتشر بسرعة في كل مكان، وليس باستطاعة أحد إيقافه.

منذ سقط حجر الدومينو الأول في تصويت البريطانيين للانفصال عن الاتحاد الأوروبي، هجم السياسيون الشعبويون الأوروبيون والأميركيون لتقديم حلول تقليدية تتلاعب بعواطف الغاضبين والمهمشين، لكنها لا تأخذ بعين الاعتبار أن عجلات الاقتصاد لا يمكن أن تعود للوراء.

فطرد المهاجرين سيؤدي إلى كارثة اقتصادية أكبر بكثير من ثمن استقبالهم، والاقتصاد العالمي لا يستطيع تحمّل حتى تراجع السفر والسياحة الذي يمكن أن يكون من نتائج السياسات الانعزالية والحمائية.

عنوان القلق الكبيرالذي يجتاح العالم هو الفوضى التي خلفها فوز دونالد ترامب بالرئاسية الأميركية، والمخاوف من أن تمتد المفاجآت الانتخابات الرئاسية الفرنسية لتشكل ضربة قاتلة للاتحاد الأوروبي إذا ما فازت مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبن التي تنادي بسحب فرنسا من منطقة اليورو. وقد تمتد إلى بلدان أوروبية أخرى.

مكمن الخوف يأتي من كون السياسة الحمائية التي ينتهجها الشعبيون الرافضون للاقتصاد المعولم ستصيب الاقتصاد العالمي بالركود، في وقت كان العالم فيه يتسابق للانفتاح وتعزيز المبادلات التجارية وتسريع وتيرة النمو وزيادة الاستثمارات.

بروز هذه الظاهرة الجديدة يجب ألا يحجب أن الفوضويين الجدد يعتمدون بشكل أساسي على التحشيد الشعبي لطروحاتهم وهم يستغلون حالة الاستياء بين الناس من سياسات حكوماتهم، لكن شعاراتهم تُخفي خلفها عيوبا كثيرة تتعلق بنقص الخبرة والكفاءة في إدارة الأزمات.

قناعة البعض من المواطنين بأن هذه السياسة هي الأنسب للخروج من الأزمات، تفسح المجال للانتهازيين واليمينيين بالتسلل إلى مفاصل دوائر صناعة القرار الاقتصادي، وهذا ما يربك الأسواق والشركات التي تحتاج للاستقرار للتخطيط للاستثمارات بعيدة المدى.

الشعبوية الاقتصادية مصيرها الفشل الحتمي في النهاية لأن عجلات الاقتصاد العالمي لا يمكنها العودة إلى الوراء

ليس هناك مضمون واضح لظاهرة الشعبوية الاقتصادية، فهي تستخدم شعارات ووعودا برّاقة مثل حماية فرص العمل واستعادة السيادة وإعادة توزيع الدخل ولكنها لا تملك سياسات ووسائل لتحقيقها، بل إن سياساتها الانعزالية يمكن أن تؤدي إلى العكس تماما.

الأسباب التي جعلت الشعبويين يركزون على هذه العوامل تحت يافطة الحمائية تبدو للوهلة الأولى ملاذا آمنا لاقتصادات بلدانهم، لكن الثابت أنها ستفشل في النهاية لأنها ستصيب الاقتصاد العالمي بالشلل نتيجة تراجع النشاط التجاري، وارتفاع التضخّم بسبب الرسوم الجمركية والقيود على حركة السلع والاستثمارات.

على المدى القصير لم تحقق حتى الآن التحذيرات من أن خطط ترامب المتسمة بالجنون ستؤدي إلى كارثة اقتصادية وشيكة في الولايات المتحدة، فالاقتصاد الأميركي لا يزال يسير عكس تلك التحذيرات.

وفي بريطانيا أيضا لم تحصل الكارثة، التي قال معارضو الانفصال عن الاتحاد الأوروبي، إنها ستقع حال تصويت البريطانيين للانفصال ولا يزال الاقتصاد البريطاني يقاوم تبعات البريكست.

وتفسير ذلك أن مفعول سياسات ترامب لن يظهر بين ليلة وضحاها، كما أن بريطانيا لم تخرج من الاتحاد الأوروبي حتى الآن وسيستغرق الأمر أكثر من عامين، إضافة إلى أنها دفعت بالفعل القسط الأول من الثمن بفقدان الجنيه الإسترليني لنحو 20 بالمئة من قيمته.

ظاهرة السياسات الاقتصادية الشعبوية التي تكسر مبادئ عولمة الاقتصاد وتكرس العزلة الاقتصادية يمكن أن تدخل الاقتصاد العالمي في نفق طويل، وقد تصعب العودة منه إذا مدّت جذورها بين الهامشيين والغاضبين من أفراد المجتمعات.

أبرز ركائز الشعبويين في سياستهم تتعلق بالتغييرات المتسارعة في سوق العمل وتطور التكنولوجيا التي من الصعب على الناس مجاراة نسقها، لذا يرون أن الدول في حاجة لعقد اجتماعي جديد وطريقة تسيير جديدة وسوق عمل جديدة لاستيعاب ما يحصل.

تجبر السياسات الشعبوية المستثمرين ورجال الأعمال على تحويل الإنفاق من الرهان على المستقبل البعيد إلى الحاضر وهو ما قد يحفز الاقتصاد مؤقتا. وقد ينتشر شعور دافئ وغامض بالازدهار، ويشعر القادة الشعبويون بالارتياح عندما يرون سياستهم تنجح على أرض الواقع، لكن هذا الارتياح يبقى مؤقتا.

مع الوقت ستتصاعد الضغوط التضخمية بسبب القيود على حركة السلع والاستثمارات وتلحق ضررا كبيرا بمعظم النشاطات. كما أن تصاعد معاداة المهاجرين سيؤثر على حركة السياحة التي أصبحت من القطاعات الرئيسية في معظم الدول.

هناك بالفعل خشية كبيرة في أوروبا من انتقال عدوى الهامشيين مع اقتراب الكثير من الانتخابات الحاسمة، إذ يمكن أن تشكل ضربة قاسية للاستقرار الاقتصاد في العالم.

ففي هولندا، حشدت شركات من بينها شركة رويال داتش شل، جهودها وأطلقت حملة للتغلب على تصاعد الشعبوية. كما عززت الصين جهودها لمكافحة الظاهرة، وسارعت لتوسيع شراكاتها الاستراتيجية وتعزيز استثماراتها ورفع مبادلاتها التجارية مع الاتحاد الأوروبي وكندا.

في النهاية، تبقى الحرية الاقتصادية هي الخيار الأنسب في مقابل الانغلاق والقيود والعزلة التي تريد الشعبوية أن تخنق الاقتصاد العالمي بها.

كاتب وصحافي تونسي

10