الشعبويون بصدد تغيير المعايير في أوروبا

موجة الاستقطاب حول أزمة الهجرة اختبار لصمود المشروع الأوروبي الموحد، ولكنها تحرج الديمقراطية العريقة في أوروبا.
الأحد 2018/07/08
صوت التطرف يعلو في أوروبا

حتى زمن قريب كان ينظر إلى بودابست كإحدى المنصات الرئيسية التي أطلقت أولى إرهاصات المقاومة للنظام الشيوعي الشمولي للاتحاد السوفييتي. ولا يزال ربيع براغ يلقى الإشادة من المؤرخين المخضرمين لدوره في إشاعة الوعي الثقافي العالمي بضرورة الإصلاح والتحرّر.

لكن لا أحد اليوم يتحدث عن أي دور محوري لهذه الجبهة في تعزيز القيم الليبرالية في أوروبا في وقت بدأت فيه التيارات اليمينية بإعلاء صوتها والدفع نحو تغيير التوازنات السياسية في القارة. بل على العكس من كل تلك الإشادة، تكشف النقاشات والمفاوضات بين دول التكتل الأوروبي اليوم بشأن ملفات الهجرة واللجوء والتضامن الأوروبي، عن صورة بعيدة ومعاكسة انطلاقا مما تنادي به حكومات وسط أوروبا بالخصوص.

ما يحصل منذ سنوات أن حكومات في دول مثل المجر وبولندا والتشيك، وبعد فترة إصلاحات اقتصادية عميقة توّجت بضمها إلى التكتل الأوروبي، اختارت السير عكس قيم التحرر التي تبنتها حكوماتها السابقة المقاومة للشمولية، سواء تحت حكم النازية أو من بعدها خلال الهيمنة السوفييتية.

هذا التنكّر الوظيفي للقيم الليبرالية دفع المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات، التي تعمل من أجل استدامة الديمقراطية في العالم، في تقرير لها إلى التراجع عن فكرة “أن الديمقراطية تستمر في أغلب الحالات في صورة كانت راسخة وموطدة”، وبدل ذلك فهي أكثر إيمانا اليوم بأن التقدم نحو الديمقراطية خلال مرحلة انتقالية قد لا يكون أمرا آليا وحتميا كما أن الديمقراطيات العريقة نفسها ليست بمنأى عن انتكاسات محتملة.

تقرير المؤسسة الذي صدر لتقييم الحالة الديمقراطية في العالم عام 2017 لا يرصد حالات منعزلة داخل أوروبا بل إن الأمر الأكثر وضوحا في تقديره يتعلق بتحولات أيديولوجية عميقة ومؤشرات عن حالات ارتداد عن الممارسة الديمقراطية السليمة.

ويصبح هذا الرصد أكثر مصداقية مع واقع النتائج التي صدعت بها صناديق الاقتراع في أرجاء أوروبا في 2017 والتي أثبتت أن اليمينيين الشعبويين هم بصدد تغيير المعايير في أوروبا، سواء كانوا في الحكم أو في موقع المعارضة، عبر نخب سياسية غوغائية تزعم أنها تمثل “الشعب” وتدافع عن وجهات نظر غير ليبرالية كما تطرح مقاربات تعتمد في جوهرها على الإقصاء.

يحذر تقرير المؤسسة من الخطاب المزدوج للحركات الشعبوية، والتي قد تترك في الظاهر مضامين إيجابية من خلال التعبير عن أصوات المظلومين لدى النخب والمؤسسات الحاكمة، ولكنها تنطوي في نفس الوقت على جانب مظلم إذا ما استولى الشعبويون على الحكومات ونفذوا سياسات اجتماعية غير ناجحة.

هل يتوجّب على شركاء الاتحاد الأوروبي أن يضعوا التكتل مثالا يحتذى للحاق بمعاييره المتناقضة اليوم وربط مصيرهم بمصيره

وفي تشخيص الحالة الديمقراطية، لم تخرج أوروبا الوسطى عن المخاوف العالمية بشأن تزايد القيود على المجتمع المدني وحرية الصحافة والإعلام. فبجانب روسيا تصدّرت المجر والتشيك وبولندا قائمة الدول الأوروبية المنحرفة عن مسار الديمقراطية مع صعود حكومات متشدّدة لا تعبأ عمليا بالمعايير الأوروبية كما لا تكترث إلى مسألة التضامن الأوروبي في كل ما يرتبط بالهجرة.

خلال العقد الأخير يمكن ملاحظة كيف أن الحكومة المجرية الشعبوية نجحت تدريجيا في أن ترسّخ بشكل متعمّد عبر سياساتها المعادية للهجرة والأجانب حالة الانغلاق والانتصار للهوية المسيحية ضد ما يشاع عن خطر الثقافة الإسلامية الوافدة على أوروبا والتي طالما لعب على وترها حزب فيدس اليميني الحاكم.

لكن الحكومة المجرية التي أبرزت تشدّدا مخزيا في مواجهة موجات الهجرة القادمة من الشرق الأوسط عام 2015 عبر الأسوار الشائكة، ومن ثم التملّص تماما من الالتزام الأوروبي المشترك ومبدأ تقاسم الأعباء، لم تعد استثناء اليوم إذ يمكنها أن تشكل محورا مؤثرا بمعية فيينا التي استلمت رئاسة الاتحاد الأوروبي الدورية، وروما بعد صعود حكومة جوزيبي كونتي اليمينية.

لعل أكثر ما يتطلع إليه هذا المحور لتوجيه ضربته إلى جبهة الاعتدال، هو انتظار إلى أي مدى ستصمد الحكومة الائتلافية في ألمانيا أمام ضغط الحزب المسيحي الاجتماعي في مقاطعة بافاريا، على الرغم من التوصل مبدئيا إلى توافق حول ملف اللجوء الشائك.

ومع ذلك فهناك الآن ما يبرّر حالة القلق من تصاعد الاستقطاب، ليس داخل أوروبا المعتدلة فقط ولكن لدى الشركاء المباشرين للتكتل في حوض المتوسط أيضا. فقد سبق أن أعطت نتائج تصويت البريكست دليلا على مدى قدرة أغلبية ضعيفة على اتخاذ قرارات ذات تأثير عميق على جميع المواطنين وعلى مستقبل الاتحاد عموما.

في نظر المتابعين، فإن موجة الاستقطاب الحالية حول أزمة الهجرة واللجوء تمثل اختبارا لفكرة صمود المشروع الأوروبي الموحد ولكنها تضع أيضا النظم الديمقراطية العريقة في أوروبا في موقف محرج أمام التزامها الأخلاقي والتاريخي بعد عقود طويلة من تعميم الحرب والدمار واستنزاف موارد الشعوب. كما تخاطر بنسف الحد الأدنى من المعايير والأسس التي بني عليها الاتحاد.

التساؤل الأهم من تلك المحاذير، هو هل يتوجّب على شركاء الاتحاد الأوروبي أن يضعوا التكتل مثالا يحتذى للحاق بمعاييره المتناقضة اليوم وربط مصيرهم بمصيره، في وقت يسيطر فيه هاجس على حكومات جنوب المتوسط من مستقبل التعاون مع حكومات شعبوية تقوم على شعار التحفظ من الآخر بل التشارك.

2