الشعبويون يتجهون بخطى ثابتة نحو انتخابات أوروبا رغم الأزمات

الانتخابات الإقليمية في إيطاليا تعتبر بمثابة اختبار لحجم الأطراف في الائتلاف الحكومي وقد يختار وزير الداخلية ماتيو سالفيني بعد الفوز الانفصال عن حليفته حركة خمس نجوم.
الثلاثاء 2019/02/12
لوبان وسالفيني: عناق فغرام

يسعى اليمين المتطرف وخاصة في إيطاليا، أحد أركان الاتحاد الأوروبي، إلى استثمار موجة اكتساحه لانتخابات عدة دول ووصوله إلى سدة الحكم، في تعزيز موقعه في الانتخابات الأوروبية المزمع عقدها في مايو القادم، فيما تتخوف أحزاب تقليدية يمينية كانت أو يسارية من اختراق الشعبويين لأوروبا وتقويض مؤسساتها. ورغم أن فوز اليمين المتطرف بالانتخابات الأوروبية مستبعد، إلا أن تعزيز موقعه يعد نصرا يمكن البناء عليه على المدى الطويل.

روما- حقق حزب الرابطة اليميني المتطرف برئاسة وزير الداخلية الإيطالي ماتيو سالفيني فوزا كبيرا في انتخابات إقليمية في إيطاليا تُعتبر بمثابة اختبار قبل الانتخابات الأوروبية التي ستُجرى في الربيع، حيث يراهن الشعبويون على هذه الانتخابات التي تتزامن مع موجة صعود المتطرفين اليمينيين إلى سدة الحكم في عدة دول أوروبية، لتقويض قواعد التكتل.

وحصل حزب الرابطة الذي يحكم في روما مع حركة خمس نجوم لكنه خاض حملة ضدها في إقليم أبروتسو (وسط)، على 28 بالمئة من الأصوات أي ضعف النتيجة التي حققها في الانتخابات التشريعية التي أجريت في مارس 2018، بحسب ما أعلنت وزارة الداخلية الإيطالية.

وفي المقابل، لم تحصل حركة خمس نجوم، الحزب الأول في إيطاليا بعد انتخابات تشريعية حصدت خلالها 32 بالمئة من الأصوات، إلا على 19 بالمئة من الأصوات وحلّت بعد يسار الوسط المعارض 31 بالمئة، حيث تفقد حركة خمس نجوم زخمها منذ تشكيل أول حكومة شعبوية في يونيو في بلد مؤسس في الاتحاد الأوروبي.

وتتراجع حركة خمس نجوم بشكل منتظم أمام حزب الرابطة الذي شكل معها ائتلافا حكوميا بعد الانتخابات التشريعية، فيما حصد تحالف اليمين الذي يضمّ أيضا حزبا صغيرا آخر من اليمين المتطرف هو “فراتيلي ديتاليا”، 48 بالمئة من الأصوات.

واعتبرت هذه الانتخابات الإقليمية بمثابة اختبار لحجم الأطراف في الائتلاف الحكومي. وبحسب مراقبين، قد يختار سالفيني بعد هذا الفوز الانفصال عن حليفته حركة خمس نجوم والسعي إلى إجراء انتخابات جديدة. ويأتي فوز حزب الرابطة الشعبوي بالانتخابات الإقليمية الإيطالية، في وقت يخوض فيه زعيم الحزب سالفيني معركة شرسة مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في أسوء أزمة دبلوماسية بين البلدين الجارين.

تواصل الحكومة الشعبوية في إيطاليا إثارة الأزمات مع الجارة فرنسا بعد أن استشعرت جهودا فرنسية محمومة لمواجهة التيارات اليمينية المتطرفة في أوروبا ومقاومة انتشار أفكارها المقوضة للوحدة الأوروبية، خاصة وأن القارة على أبواب انتخابات أوروبية حاسمة. وعلى الرغم من أن تصريحات المسؤولين في روما حول استعدادهم لدعم أنصار اليمين المتطرف في كامل أوروبا ليست جديدة، إلا أنها حساسة في هذا التوقيت خاصة وأن باريس تعيش على وقع احتجاجات اجتماعية هي الأعنف منذ عقود.

إيمانويل ماكرون: أدعو إلى الدفاع بحزم عن مفهوم جديد للسيادة الأوروبية، التي باتت مهددة
إيمانويل ماكرون: أدعو إلى الدفاع بحزم عن مفهوم جديد للسيادة الأوروبية، التي باتت مهددة

وتوترت العلاقة بين إيطاليا وفرنسا، وهما تقليديا حليفتان، منذ أن شكّل حزب الرابطة اليميني وحركة 5 نجوم المناهضة للمؤسسات، ائتلافا العام الماضي ووجها سهام النقد للرئيس ماكرون المؤيد للاتحاد الأوروبي. وكانت الحكومة الشعبوية الإيطالية قد أعلنت صراحة دعمها لحركة السترات الصفراء الاحتجاجية في فرنسا، في حين دعا أحد الوزراء الرئيسيين فيها المتظاهرين إلى عدم التراجع، ما اعتبرته فرنسا تدخلا في شؤونها.

واستنكرت رئيسة الحزب اليميني المتطرف الفرنسي مارين لوبان الاثنين “الاستخدام السياسي” و”الانتخابي” للدبلوماسية من قبل الرئيس إيمانويل ماكرون وذلك بعد استدعاء باريس لسفيرها في إيطاليا. وجاء استدعاء السفير الفرنسي لدى روما الخميس بعد لقاء جمع نائب رئيس الوزراء الإيطالي لويجي دي مايو مع ناشطين من حركة “السترات الصفراء” في فرنسا.

وقالت لوبان في حديث لإذاعة فرانس إنتر “هناك استخدام سياسي للدبلوماسية أجده مقلقا جدا من قبل إيمانويل ماكرون لأنه يريد بأي ثمن أن يظهر كمعارض للسياسة التي يعتمدها ماتيو سالفيني وزير الداخلية الإيطالي ورئيس الوزراء المجري فكتور أوربان، الأمر الذي وضع بلدينا الحليفين منذ وقت طويل جدا، في أزمة”.

ورأت لوبان التي خاضت الدورة الحاسمة لانتخابات عام 2017 الرئاسية وحزبها متقارب في استطلاعات الرأي مع الحزب الحاكم “الجمهورية إلى الأمام” أن “استخدام ماكرون لهذه الأزمة العارضة انتخابي بشكل كبير”.

واعتبرت لوبان أن الرئيس الفرنسي “مليء بالتناقضات”، “فهو يريد إزالة الحدود ويدعم إقامة فيدرالية أوروبية، وتشكيل لوائح انتخابية عابرة للحدود” في الانتخابات الأوروبية، لكنه “يغضب من مسؤول سياسي إيطالي يتحدث إلى ناشطين سياسيين في فرنسا”. وانتقدت لوبان “التدخلات والاستنكار مزدوج المعايير”، فمن جهة “عندما يدعو الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما إلى التصويت لماكرون، يجد الجميع ذلك مذهلا. وعندما يأتي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى ستراسبورغ لعقد اجتماع كبير لا أحد يقول شيئا”.

والتقى دي مايو زعيم حركة خمس نجوم الثلاثاء في فرنسا ناشطين من “السترات الصفراء”، كما انتقد في الأسابيع الأخيرة فرنك الاتحاد المالي الأفريقي “الذي تصدره فرنسا”، معتبرا أنه سبب كل العلل في الاقتصادات الأفريقية. ورأت لوبان بدورها أن فرنك الاتحاد المالي الأفريقي كان “قويا أكثر من اللازم على اقتصادات الدول الأفريقية”، “وكان له أثر سلبي جدا على صادراتها”، مقترحة أن تناقش فرنسا “مع الدول القلقة” المسألة، “ما من شأنه منع جيراننا من الحديث عن ذلك بدلا منا”.

وكان الرئيس الفرنسي قال في وقت سابق إنه سيسعى لـ”أوسع قائمة ممكنة” في الانتخابات الأوروبية التي تجرى العام المقبل، واصفا إياها بأنها “معركة من أجل الحضارة”، في ظل صعود اليمين الشعبوي ووصوله إلى السلطة في عدة دول أوروبية. ويسعى الرئيس الفرنسي، الذي ينتمي إلى تيار الوسط، إلى استعادة الأرضية البلاغية من معارضيه في اليمين الشعبوي.

وقال ماكرون لصحيفة لو جورنال دو ديمونش “بالنسبة للانتخابات الأوروبية، سأبذل ما بوسعي حتى يتسنى للتقدميين والديمقراطيين وهؤلاء الذين أتحدث عنهم وآمل أن يتم تمثيلهم في فرنسا من خلال أوسع قائمة ممكنة، أن يجعلوا أصواتهم مسموعة”، مشددا على أن الانتخابات الأوروبية “معركة من أجل الحضارة، وقتال تاريخي”.

وحذّر ماكرون قبل أشهر من تنامي النزعات إلى التسلط في أوروبا، داعيا إلى الدفاع بحزم عن مفهوم جديد للسيادة الأوروبية، التي باتت مهددة بصعود اليمين المتطرف إلى سدة الحكم في عدد من الدول، ما يقوض وحدة الصف الأوروبي.

5