الشعب الأميركي الخصم الأول لترامب

الولايات المتحدة لم تعد في معركة مع قوى دولية أخرى كالصين وروسيا، بل أصبحت في مرمى انتقادات خصمها الأول الشعب الأميركي.
الخميس 2020/07/02
أزمة مزدوجة

واشنطن - تواجه الولايات المتحدة في عهد الرئيس دونالد ترامب أزمة مزدوجة، الأولى تتعلق بتراجعها في ميزان القوى الدولية والثانية تؤججها انتقادات الداخل لمكانة بلادهم خلال تفشي أزمة كورونا وما بعدها.

وعلى الرغم من أن الكثير من المحللين يؤكدون أن ترامب أيضا يصطدم بانتقادات المعسكر الديمقراطي المتواترة في ملفات عدة داخلية وخارجية، إلا أنهم يقرون في المقابل، بتعمق أزمة الداخل إقتصاديا واجتماعيا وهو ما أثبتته الاحتجاجات التي تلت مقتل جورج فلويد أسود البشرة على يد رجل شرطة أبيض.

ولم تعد، بحسب الكثير من المراقبين، الولايات المتحدة في معركة مع قوى دولية أخرى كالصين وروسيا، بل إنها أصبحت في مرمى انتقادات خصمها الأول الشعب الأميركي.

ويقول المحلل الاقتصادي الأميركي نواه سميث إن “تراجع الولايات المتحدة بدأ بأشياء صغيرة اعتاد عليها الناس فلم يتوقفوا عندها. فقد مر الأميركيون على مواقع البناء الخالية من العمال ولم يتساءلوا لماذا لا يعمل العمال في الموقع؟ وبعد ذلك يتساءلون لماذا يستغرق بناء الطرق أو المباني وقتا طويلا للانتهاء منه؟ كما اعتاد الأميركيون تجنب الذهاب إلى المستشفيات لتلقي العلاج بسبب الفواتير الباهظة وغير المتوقعة من جانب هذه المستشفيات”.

ويضيف سميث “أن الأميركيين يدفعون 6 في المئة عمولة للوسيط العقاري عند شراء مسكن، ولا يعرفون أن الأستراليين يدفعون 2 في المئة فقط”.

ويتذمر الأميركيون من الضرائب المرتفعة وقيمة وثائق التأمين الصحي العالية والطرق المليئة بالحفر، لكنهم نادرا ما يتخيلون كيف ستكون الحياة لو كانوا يعيشون في ظل نظام يعمل بطريقة أفضل.

وعندما يتحدث الكتاب عن التراجع الأميركي، فإنهم عادة يتحدثون على أساس القوة الدولية، مثل صعود الصين وتراجع السيطرة السياسية والأخلاقية للولايات المتحدة في العالم. وهذه الأمور بالنسبة إلى أغلب الأميركيين تعتبر أشياء بعيدة ومجردة وليس لها تأثير على حياتهم اليومية.

نواه سميث: الكارثة حلت حين أخفق القادة في التعامل مع كورونا
نواه سميث: الكارثة حلت حين أخفق القادة في التعامل مع كورونا

لكن تدهور فاعلية المؤسسات سيفرض على الأميركيين أعباء متزايدة. وإذا أدى هذا التدهور في نهاية المطاف إلى فقدان عام لثقة المستثمرين في الولايات المتحدة فإن الخسائر من الممكن أن تكون أكثر ضخامة.

وقبل سميث، سبق أن انتقد الفيلسوف الأميركي نعوم تشومسكي وضع الولايات المتحدة  بقوله إنها تتّجه نحو الكارثة نتيجة افتقادها إستراتيجية اتحادية في مواجهة فايروس كورونا، وعدم وجود ضمان صحي لجميع الموجودين فيها، فضلا عن عدم إقرارها بخطورة التغير المناخي.

وأرجع تشومسكي في حديث سابق ما يجري في الولايات المتحدة، البلد الأكثر تضررا من فايروس كورونا المستجد، إلى عدم وجود إدارة متماسكة.

وقال إن من “يقود البيت الأبيض شخص معتل اجتماعيا، مصاب بجنون العظمة، لا يكترث إلا لسلطته والاستحقاقات الانتخابية. عليه بالتأكيد أن يحافظ على دعم قاعدته، التي تضم الثروات الكبرى وأبرز أرباب العمل”.

ويرى سميث الحاصل على الدكتوراه في علم الاقتصاد من جامعة ميشجان في تحليل نشرته وكالة بلومبرغ للأنباء أن الثمن الأوضح والأسرع للتدهور الأميركي جاء الآن في صورة التعامل الكارثي للمؤسسات الأميركية مع جائحة فايروس كورونا المستجد. فقد كانت إخفاقات القيادة منتشرة وكارثية على كل المستويات، بدءا من الرئيس الأميركي وحتى حكومات الولايات وإدارات المدن مرورا بمركز مكافحة الأمراض وإدارة الغذاء والعقاقير الأميركية.

وكانت النتيجة زيادة كبيرة في أعداد الإصابات بفايروس كورونا في ولايات مثل أريزونا وتكساس وفلوريدا، في حين ما زالت الولايات التي ضربها الفايروس في البداية تكافح لتجاوز الجائحة.

في المقابل فإن دولا مثل إيطاليا التي يضرب بها المثل في الفشل الحكومي، نجحت في احتواء الجائحة ووقف انتشار العدوى في حين ما زالت الولايات المتحدة تسجل أرقاما قياسية في أعداد المصابين الجدد دون أي إشارة إلى احتمال تحسن الأمور.

ويقول سميث إن الأميركيين سيدفعون ثمنا اقتصاديا حقيقيا لهذا الفشل المروع في مواجهة مرض نجحت أغلب الدول الكبرى في احتوائه، حيث أجبر الخوف من الفايروس الناس على البقاء في منازلهم وأدى إلى تضرر النشاط الاقتصادي بشدة.

وإلى جانب القلق بشأن وظائفهم ومعيشتهم، سيجد الأميركيون أنفسهم مضطرين إلى البقاء في منازلهم لشهور بينما يشاهدون الإيطاليون يتجولون في الشوارع ويستعيدون حياتهم الطبيعية بعد السيطرة على الفايروس. هذا الوضع هو تجسيد مؤلم وقاس للتدهور العام. كما أن فشل أميركا في احتواء جائحة كورونا يعني أنه لن يكون في مقدور مواطنيها السفر بحرية عبر أنحاء العالم، حتى أن أوروبا تعتزم فرض حظر على دخول الأميركيين إليها.

ويرى سميث أن عواقب تدهور الولايات المتحدة ستستمر طويلا بعد الجائحة. فمع ارتفاع أسعار السكن وتدهور حالة البنية التحتية وشبكة النقل وانتشار العنف المسلح وبطش الشرطة والانقسامات السياسية والعرقية، ستصبح الولايات مكانا أقل جاذبية للعمالة عالية المهارة من مختلف دول العالم. وهذا يعني أن الشركات سترى أن دولا أخرى في أوروبا وآسيا وغيرها أكثر جاذبية للاستثمار وهو ما سيقلص سوق الوظائف في الولايات المتحدة، وسيخفض الأجور وسيقلص الإنفاق المحلي الذي يمثل قاطرة نمو الاقتصاد الأميركي.

وكل هذا سيتحول إلى تراجع في حصيلة الضرائب والمزيد من التدهور في المناطق الحضرية نتيجة تراجع الإنفاق على البنية التحتية وبرامج الضمان الاجتماعي والتعليم في الولايات المتحدة.

في الوقت نفسه يقول سميث إن السياسات المناهضة للهجرة حاليا ستحرم الولايات المتحدة من أهم مصدر للعمالة الماهرة وستضعف النظام الجامعي في الولايات المتحدة والذي يعاني من ضغوط هائلة نتيجة تقليص الدعم الحكومي له. ويضيف سميث أن كل ميزة اقتصادية كبرى للولايات المتحدة، تواجه خطرا حاليا. وإذا لم يتم التحرك بقوة لوقف تدهور الأوضاع، وفتح أبواب الهجرة والمحافظة على مراكز الأبحاث الجامعية، وتوفير السكن بتكلفة أقل، وخفض تكاليف البنية التحتية، وإصلاح جهاز الشرطة، واستعادة كفاءة الخدمات المدنية، ستكون النتيجة عبارة عن عقود من الجمود أو الانهيار في مستويات معيشة الأميركيين.

6