الشعب السعودي بدوره يعشق الحياة إن استطاع إليها سبيلا

الاثنين 2017/12/11

قبل بدء ما كان يسمى بالربيع العربي، كان بعض أصدقائي في جدة بالمملكة العربية السعودية يستعدون لاستضافتي في أحد الصالونات الثقافية، وكنت متشوقا فعلاً للقائهم، ومن ثمة معاينة المجتمع السعودي عن قرب ولو لأيام معدودة. لكنهم عندما أخبروني بأن الطريقة التي يتيحها لي القانون قصد زيارة المملكة السعودية هي العمرة والتي سيتكفلون بتدابيرها -وطبعا دون أن أعتمر طالما الأمر مجرد ذريعة- اعتذرت لهم على الفور متذرعا بأني لا أستطيع أن أستغل شيئا له علاقة بالدين من أجل شيء لا علاقة له بالدين، أو، بمعنى أوضح، لا يمكنني أن أقترف الجرم الذي ألوم عليه تجار الدين.

لا يمكنني أن أفعل ذلك دون أن أفقد احترام كل من سيعلم بالأمر، وبالأحرى سأفقد احترامي لنفسي، وهذا يكفي. لا أزعم أني كانطي إلى هذا الحد، لكن دعنا نقُلْ إنها مسألة مزاج في الحساب الأخير، وهذا أيضا مما يكفي.

في واقع الأمر يهمّني أن أبسط اعترافا من نوع آخر. ذلك أني سأتكلم عن بلد لم أتمكن من زيارته من قبل. هل مثل هذا الكلام ممكن؟

في كل الأحوال إن لم أر الأرض فلقد رأيت الإنسان، ورأيته بما يكفي. لذلك، وبناء على معرفتي بعشرات الأصدقاء السعوديين المفعمين بالذوق الثقافي والفني الرّفيع، ولا سيما في مدينة جدّة، وهي أقرب مدينة في العالم إلى الأماكن المقدسة، فقد ظل ينتابني نوع من الشعور العميق بأن الإنسان السعودي ظلِم في صورته ظلما كبيرا.

بل يصعب أن نجد إنسانا ظلم في صورته أكثر من الإنسان السعودي. إذ لم تخرج الصورة النمطية السائدة عنه عن أحد المآلين الدراماتيكيين: إما أنه يحمل فكرا “داعشيا”، وإما أنه يحمل فكرا “فاحشيا”؛ أو على الأرجح هما معا في مستوى تفاصيل التفاصيل.

صورة الجمهور السعودي المفعم بالحيوية والحياة والرقي الإنساني، تؤكد، في آخر المطاف، حجم الظلم الذي لحق صورة الشعب السعودي الـذي هو شعب يعشق الحياة إن استطاع إليها سبيلا

عموما لديّ ما يكفي من الأسباب لكي أشعر بأن الإنسان السعودي مظلوم في صورته، وبأن حقيقته أبعد من تلك الثنائية المقيتة التي تجعله إنسانا لا يشبه سائر الناس. والواقع أن التطورات الجارية في المملكة العربية السعودية قد كشفت للجميع بأن خلف القشرة المشوهة لا يزال هناك الإنسان مقبورا منتظرا أن يفسح له المجال لكي يعبر عن ميله الفطري إلى الفرح والحياة. وهكذا كان.

“الموسيقار العالمي يانّي في أرض الحرمين”… لو قيل أو كُتب مثل هذا الخبر قبل سنوات قليلة لكـان الاعتقاد أن يانّي ذاهـب إلى الحج أو العمرة، وفي كل الأحوال لن يحمل آلاته الموسيقية، وبكل تأكيد لن يعزف شيئا، وبالمطلق يستحيل أن يحيي سهرة واحدة أمام جمهور يترصده عشرات المطاوعة غير المتسامحين مع أبسط مظاهر الفرح. إن سهرات الموسيقى الراقية التي أقامها يانّي في جدة والرياض، وصورة الجمهور السعودي المفعم بالحيوية والحياة والرقي الإنساني، تؤكد، في آخر المطاف، حجم الظلم الذي لحق صورة الشعب السعودي الـذي هو مثل سائر شعوب الأرض، شعب يعشق الحياة إن استطاع إليها سبيلا.

أذكر أن الأصـدقاء الأعـزاء في هيئة تحرير موقع الأوان، وهو الموقع الرّائد في نشر الفكر العقلاني، قد فوجئوا في بداية انطلاق الموقع باكتشاف أن أعلى نسبة من قراء الموقع هي داخل المملكة العربية السعودية. وقد بدا هذا الاكتشاف مستغربا في البداية. وشخصيا لربما عليّ التذكير اليوم بأن أكثر رسائل التشجيع التي وصلتني منذ أولى مقالاتي في الأوان عام 2009، كانت من داخل المملكة العربية السعودية، ما جعلني أشعر بأن هناك تحولا ثقافيا يعتمل بصمت.

عندما نشرت مقالا في إحدى الصحف السعودية بعنوان “نبي جورج طرابيشي”، وذلك قبل أربع أو خمس سنوات تقريبا، لم يخف المرحوم الأستاذ جورج استغرابه من أن يُنشر هكذا مقال بهكذا عنوان في الداخل السعودي.. أجبته بنوع من الحماس، دوام الحال من المحال، ولا سيما حين يكون الحال ضد طبيعة الإنسان. ثم أضفت قائلا، أظن أنّ المنطقة مقبلة على تحولات ثقافية غير مسبوقة، يجب أن نستعد لها. بعد لحظة من الصمت أجابني ببلاغة واقتضاب: لعلي لن أعيش لأرى، ولعلك ستعيش لترى. فإن حدث ذلك فهنيئا لك.

وها أنا أرى… اليوم، وقد رحل عنا شيخ العقلانيين العرب، بعد أن آلمه حجم التطرّف الديني الذي استفحل في سياق تداعيات ما كان يسمى بالربيع العربي، رحل عن عالمنا وفي نفسه خوف من أن تكون مجتمعاتنا بصدد النكوص إلى عصور وسطى جديدة، لكن ها أنا أرى فجأة ما لم يكن متوقعا قبل سنوات قليلة. وهل هناك من توقع أن يرى الموسيقار العالمي يانّي يحيي أربع سهرات موسيقية راقية فوق أرض تقع تحت مراقبة آلاف الشيوخ والوعاظ التقليديين؟ ودعنا نقول بكل نزاهة وتجرّد: بصرف النظر عن النوايا والخلفيات وما شابه ذلك وغير ذلك، فقد وقع ما لم يكن متوقعا. إنه حدث لا يشبه سائر الأحداث، في بلد يشبه شعبها سائر الشعوب، إنه شعب يحب بدوره الحياة إن استطاع إليها سبيلا.

كاتب مغربي

8