الشعب في خدمة الشرطة

الأربعاء 2014/09/10

خبر طريف ومثير للاستهجان “لنا كعرب” وإن كان سبب حزنا عميقا للأيسلنديين… قرأته ومفاده أن الشعب الأيسلندي تعرض لحالةٍ من الصدمة جراء قتل الشرطة لشخص فقد عقله، وأصر على أن يتبادل النيران مع دوريتين حضرتا، إثر شكوى السكان من سماعهم لإطلاق الرصاص داخل شقته. قابل محاولتهم التفاوض معه بإطلاق النار عليهم، وهم عزّل لا يحملون معهم سوى الهراوة والغاز المسيل للدموع، مما دعاهم لاستدعاء وحدة التدخل السريع الوحيدة في البلاد، علها تسيطر عليه دون أن تصيبه، لكن إصرار الرجل على إمطارهم بوابل من الرصاص أدى لمقتله بعد محاولات حثيثة لإنقاذ حياته!

المهم ، وعلى ذمة الراوي، أنه استيقظ حينها شعبهم على هول الصدمة، فهي الحادثة الأولى منذ استقلال أيسلندا عام 1944 التي تتسبب فيها داخليتهم بقتل مواطن، حتى لو كان خطرا يهدد الآخرين. فدولتهم التي “لا نسمع عنها إلا كل خير دوما” لا حراسة فيها للمسؤولين بمن فيهم الرئيس ووزرائه، وبإمكان المواطن دخول البرلمان دون أن يعترضه أحد أو يفتشه عدا الطلب منه، بكل تهذيب، أن يغلق هاتفه النقال حتى لا يسبب إزعاجا للنواب!

أثارت الحادثة فضولي فتساءلت عن الطريقة التي تتعامل فيها شرطتهم مع المتظاهرين، وهل سمعت من قبل عن أسلوب “شل أمله” والذي يرتبط بالقفا والأيدي والأرجل وكل جزء في الجسم، أو أنها تطبق استراتيجية الضرب النفسي والمعنوي للزجر والنهي فقط والدفاع عن النفس دون إرهاب المقابل.

قبلها بفترة قصيرة أدانت محكمة ألمانية فردين من الشرطة بتهمة الإفراط في استخدام خرطوم المياه في فض مظاهرة.

طبعا الأمر يدعو للتندر، وذلك لأننا تربّيْنا على مفهوم مختلف، وصورة أخرى محفورة في الذاكرة عن قوى الأمن وخصوصا الإخوة في جهاز الشرطة. مرجعيتنا هي أن الشعب وخصوصاً “الغلبان” منه والمغلوب على أمره في خدمة قطاع الشرطة من المخبر وأصغر جندي حتى أكبر رتبة. واجب الجموع تجاههم هي أن ترفّه عنهم وتبدد الملل، وإن كان ذلك على حساب الكرامة أو الحرية والإنسانية والمواطنة.

في العالم الذي وضع نصب أعينه حماية آدمية مواطنيه، يلعب قطاع الشرطة دورا في السلم والأمان، ويعزز الحرية الفردية بأفراد لا يعدّون أنفسهم فوق القانون، ولا يتكسبون من المنصب، ولا يتجبرون على خلق الله بسبب ما أعطاهم الزي الذي يرتدونه من صلاحيات وقوة.

التعذيب هو أسوأ ما يمكن أن يمارسه بشر، والتجبّر على الناس بسبب سلطة القانون هو انتهاك للإنسانية. لن تتطور أمة وتنعم بالسلام إلا إذا كرست قوانينها وجرّمت كل مرتكبٍ له، وفعلت من دور هيئات الرقابة، وقننت الشكوى والعقاب والمطالبة بالحقوق، وفعلت الجزاء الصارم لكل متجاوز أياً كان. فقوى الأمن مثلها كأي وظيفة حكومية خدمية تؤمنها الدولة، والغرض منها القيام على راحة مواطنيها وإشعارهم بالأمن والأمان، وليس ترهيبهم وتخويفهم وقمعهم والحد من حريتهم وانتهاك آدميتهم باسم القانون، الذي منح مواطناً حقاً ليمارس فيه التجبر ولا يحاسب إن أخطأ، بينما من حقه أن يحاسب من يشاء دون حسيبٍ عليه أو رقيب!

في خبر آخر غريب علينا كعالم عربي ثالث، لكنه ليس بغريب على الدولة الإسكندنافية “السويد”، فقد أفادت صحيفة الغارديان البريطانية، أن الجهات المختصة بالسويد، أغلقت أربعة سجون ومركز للسجن الاحتياطي، نتيجة تدني معدل أشغالها، وقلة عدد النزلاء الذين لم يتجاوز الخمسة آلاف سجين من مجمل عدد السكان البالغ قرابة التسعة مليون ونصف. هذا في الوقت الذي تسعى فيه بعض الدول (التي لا حاجة لذكرها) لبناء المزيد من السجون، حتى تستوعب من يُزجَّ بهم كل ساعة من قبل داخليتها وأجهزة مخابراتها، وبالطبع دون أن ننسى الجرائم الجنائية من الحسبة، والتي تشهد ازدياداً كبيراً في ظل الظلم الاجتماعي والفقر والفساد والمحسوبية وسطوة المال على القانون.


كاتب عربي مقيم في السعودية

9