الشعب في مشاريع الاستبداد العربية.. حاضر غائب

لا تخلو الدكتاتوريات الهزلية من الارتجال، فالحياة معها خطر، ومن دونها خراب وحرب أهلية يتدرب فيها على الإبصار شعب يغادر الغرف المعتمة، إنها صدمة أهل الكهف حين يفاجئهم نور الحقيقة.
الثلاثاء 2018/06/19
أنظمة تنتظر نهاياتها

يقدم مونديال روسيا 2018، مثل غيره من نهايات كأس العالم، بانوراما لا تكذب لثنائية الحرية والطغيان وما بينهما من مساحات رمادية تستتر فيها أنظمة تنتظر نهاياتها. مباريات الكرة ساحة مفتوحة، خارطة كونية تثبت إلى حد كبير أن الدول المثقلة بميراث دكتاتوري أقل قدرة على تحقيق الفوز أيا كان حظها من الزحام العددي، فليس هذا الزحام إلا أرقاما لسكان، أما من تجاوزوا مرحلة الأرقام إلى مراتب المواطنين فيفوزون. وبالنظر إلى قليلي الحظ في كرة القدم يمكن رصد فروق بين دكتاتوريات راسخة، وأخرى هزلية تنتمي إليها نظم عربية.

ليست الدكتاتوريات بالنيات، فلكي تبلغ مرتبة الدكتاتورية بحق، يفترض أن تكون بالأساس حاكما مقنعا، أن تمر في الحكم بمرحلتي الشباب والفتوة، ثم يغريك الطموح بالاستبداد، تحت راية خديعة “وطنية”، فتخترع عدوا تعلق عليه فشلك وتنسب إليه خطاياك، أو تعلن عن مشروع كبير يجمع الشعب ولو في الخطوة الأولى للتمكين. جرى هذا التسلسل الدكتاتوري في أغلب المشاريع الاستبدادية، حتى إذا انهارت نتيجة حروب حمقاء أو نحر داخلي، فلا يذهب إلا الدكتاتور ومؤسسته، وتبقى البنى الوطنية، وعقليات تصون “الدولة” وتعيد البناء. أما النموذج الدكتاتوري العربي فهو مسخ، كائن يرى عبقريته خسارة في الشعب، وحين يسقط لا يترك وراءه إلا رماد الخراب.

الدكتاتوريات الحقة تكاد تختفي، ولم ترث منها الدكتاتوريات الهزلية اهتماما ببناء علمي وصناعي تتحصن به، فليس لدى كل دكتاتور سقف عال من الهوس “الوطني” لكي يستثمر في العلم والعلماء، وقد شهد التاريخ دكتاتوريات أشبه بشركات ذات مسؤولية محدودة، لا تؤمّن الحد الأدنى لمعيشة الشعوب، وتحتقر العلوم الطبيعية والإنسانية معا، وتتعمد إهانة العلماء وتخريب الضمائر، وطرد الكفاءات. ولا يعجز المتابع عن رصد حالات “وطنية” من هذا القبيل، نماذج تجسد قدرة العالم العربي على ابتداع دكتاتوريات ساذجة وفاجرة، البعض لا يقنع أحدا بأنه حاكم، ولكنه يجسر على حرق المراحل التمهيدية، ويقفز إلى دكتاتورية هزلية.

في اهتمام الدكتاتور “الطبيعي” بالعلوم الطبيعية دلالة على وعيه بشروط القوة، وإدراكه لطبائع التحدي وأدواته، فينفق على من يحتاج إلى مهاراتهم العلمية، ليستفيد منهم في تشييد مشروعه. أما الدكتاتور العبيط فيستغني عنهم لأنه يفهم أكثر من الجميع، وتمنعه كبرياؤه وتطاوسه الكاذب أن يعترف بأن أحدا أكثر منه معرفة بالعلوم العسكرية والاقتصادية والعلمية والآداب والفنون.

الدكتاتور العربي وريث الجهل، وغلظة الذوق، وتصحر الروح، وفقر الخيال، والجوع التاريخي الذي لا يسده شبع

قبل عشرين عاما عرفت الدكتور جاب الله موسى، وعملنا في مجلة “سطور” بالقاهرة. كان قد نجا من مصير ذهب إليه آخرون، وتركت التجربة المريرة في روحه ندوبا، ولاحقته وهو الطموح الذي نال درجة الماجستير في العلاقات الدولية من جامعة أوهايو، وحصل على الدكتوراه في فلسفة الإعلام العربي من تلك الجامعة وعمل فيها مدرسا، ثم عاد إلى بلاده، وصار رئيسا لقسم الإعلام في كلية الآداب بجامعة بنغازي، وشارك في إنشاء قسم السياحة بكلية الاقتصاد في جامعة درنة. ثم فوجئ بطلاب أعضاء في اللجان الشعبية يقتحمون مكتبه، ويستعرضون بجهالة فيملون عليه تعليمات مهينة. لم يكن من البطولة أن يثور أستاذ أعزل؛ فلا أحد سيدين ما يجري له إلا بقلب عامر بفائض من الآلام، ثم إن كلمة الثورة من المحظورات، وإذا ذكرت فلا تعني إلا ثورة الفاتح من سبتمبر. لم يفكر أستاذ الإعلام في أن يتمرد أو يستنكر بلسانه فجاجة الطلاب الحمقى. ثم تمكن من الحضور إلى القاهرة، واحتمى بالصمت الجميل، فلا يتكلم إلا إلى من يطمئن إليه، واحتفظ بابتسامة رضا، ولا يرد على سؤال للاطمئنان عليه بأكثر من”Not bad”، إلى أن غادر مصر، تاركا كتاب “أوراق مغترب” 1999، وفيه يحلم بدولة القانون والمؤسسات التي تنهي الإرهاب والتهميش.

لم يكن الدكتور جاب الله إلا نموذجا لا يعدم معرفته والإنصات إلى مأساته مشايخ ومثقفون من الحجاز ومصر وسوريا ولبنان والجزائر والمغرب بلغتهم أخبار التراجيديا الليبية. وقبل الاغتيال الخالي من المروءة والمشاعر الآدمية للعقيد القذافي، ذهبت إليه وفود مؤتمر الاتحاد العام للكتاب والأدباء العرب، في مدينة سرت في أبريل 2010، لتصفق لجابر عصفور وهو يتسلم جائزة القذافي للآداب. وكان الإسباني خوان جويتيسولو الذي أحاط بشيء من جرائم القذافي وآثار دكتاتوريته قد رفض الجائزة، وقال لعضو لجنة التحكيم صلاح فضل: لا يليق بمن يكتب عن الحريات أن يقبل جائزة تحمل اسم دكتاتور. وتباهى بها عصفور، وكتب في صحيفة الأهرام أن الجائزة والرحلة إلى ليبيا ردتا “ما ضاع من صورة وطني”.

يتحصن الدكتاتور الحقيقي بوسائل القوة، أما الآخر فتكفيه أوهامه، ويظن نفسه كائنا فوق البشر فلا يحاسب، ويتولى رجاله تسويغ سلوكه باعتباره أبا روحيا، هكذا قال عبدالرحمن شلغم إن القذافي أب للشعب، وهذا افتراء على شعب مـحجوب، ولا يؤمن بوجوده رجل غيّب اسم الدولة، وفي لحظاته الأخيرة تحسس الدماء وتوسل إلى قاتله الجبان: أنا القائد. اعتراف نادر ومتأخر بأنه إنسان.

الدكتاتور العربي وريث الجهل، وغلظة الذوق، وتصحر الروح، وفقر الخيال، والجوع التاريخي الذي لا يسده شبع. في عام 2005 اعترف حسني مبارك في التلفزيون الحكومي بأنه كان يحلم بأن يكون سفيرا في لندن؛ “علشان بلد إكسلانسات”، وقال في كتاب “كلمة للتاريخ” الذي طبعته دار المعارف “لم يكن لي طموح سياسي”. ولكن المنصب يودي بالعقل، وفي زيارة رسمية إلى يوغوسلافيا شغله حذاء جوزيف بروز تيتو، وسأل السفير المصري: من أين يأتي تيتو بأحذيته؟ وهل يشتريها جاهزة أم تصنع له خصوصا؟

الدكتاتور الحقيقي يتحصن بوسائل القوة، أما الآخر فتكفيه أوهامه، ويظن نفسه كائنا فوق البشر فلا يحاسب، ويتولى رجاله تسويغ سلوكه باعتباره أبا روحيا

وجرت واقعة أخرى ذات صلة بالحذاء، وطرفها فتحي رضوان الذي أخرجته ثورة 1952 من المعتقل إلى الوزارة، فقد أبلغ برغبة مبارك في لقائه، وتفاءل وكتب محاور في خمس صفحات. تقرر أن يستقل طائرة من القاهرة إلى استراحة مبارك شمالي القاهرة، وهناك أبلغ بتأخر الموعد ساعتين لانشغال الرئيس بمقابلة رئيس أفريقي، وانتظر خمس ساعات، ثم أبلغوه بأنه سيكون ضيف الرئيس على الطائرة في العودة. وجاءه مبارك من الجزء الأمامي للطائرة، وقال له إنه منذ كان طالبا وإلى الآن يمسح حذاءه كل صباح بالورنيش، ثم بالفرشاة، ثم يلمّعه بقطعة من القطيفة. أوضح فتحي رضوان أن وقت رئيس الدولة أثمن من تبديده في هذا الأمر، وقبل أن يحدثه بشأن الورقة التي سجل فيها نقاطا للنقاش، كانت الطائرة تقترب من مطار القاهرة، وعاد مبارك إلى ضيفه الأفريقي، وأخبره بأن سيارة ستحمله إلى بيت الرئيس ليكملا الكلام، ولكن السيارة حملت فتحي رضوان إلى بيته، ولم يتلق اتصالا رئاسيا.

لا تخلو الدكتاتوريات الهزلية من الارتجال، فالحياة معها خطر، ومن دونها خراب وحرب أهلية يتدرب فيها على الإبصار شعب يغادر الغرف المعتمة، إنها صدمة أهل الكهف حين يفاجئهم نور الحقيقة. وأمام مصر أربع سنوات للتدرب على تفادي صدمة الضوء في نهاية النفق. واحتراما لدستور 2014، يكون من الحكمة التفكير في مرحلة “ما بعد السيسي”، وهذا ما يتسع له المقال القادم.

9