الشعب في مشاريع الاستبداد الكبرى.. من محمد علي إلى هتلر

ثار الشعب على الاستبداد والتوريث، وفي سبيل العدل والحرية قدم قرابينه، ولم يهنأ بثمار الثورة، واحتوت القوى المضادة للثورة في موجتيها براءة الثائرين.
الثلاثاء 2018/04/10
لم يدافع المصريون عن الباشا محمد علي حين أنهت القوى الكبرى مشروعه

بعد نشر المقالين السابقين “هوامش على تجديد الخطاب السياسي” و“كتائب وكتبة يلحون على تعديل دستور في علبة الهدايا”، دعاني أصدقاء إلى التهوين من شأن موجة صاعدة تحث على ضرورة تعديل الدستور. مصدر التهوين هو التفاؤل بأن الشعب لن يسمح بتمرير هذا التعديل، ونسوا واقعة مهينة جرى فيها التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير المصريتين رغم معارضة الإرادة الشعبية وبالمعاندة لأحكام القضاء، وقد فعلها برلمان يمكن أن يُقرّ تعديلا دستوريا يسمح بأكثر من فترتين رئاسيتين متصلتين. وهنا سخر أحدهم وقال إن هذا لو “وقع” فسيكون استعجالا لإغلاق الدائرة، واختتام فصول الملهاة، ولمح إلى أن الرئيس الأسبق أنور السادات، عراب بدعة فتح عدد الفترات الرئاسية، ولم يسعفه العمر بجني ثمرتها.

أبعدتني الفقرة السابقة عن قضية عنوان هذا المقال، وفي هذه الفقرة أيضا أراني أنزلق إلى خرافة لا تخلو من دلالة، ولعلها كانت يوما واقعة بطلها سليمان الحكيم الذي أرهق الجن في تشييد عرشه، واشتكى شيوخ الجن إلى إبليس، فحثهم على الصبر، ولو كان مؤمنا لقال لهم “احمدوا الله واشكروا فضله”؛ لأن سليمان يجعلهم يعملون ليلا، ويستريحون نهارا.

علم سليمان بالشكوى فأمرهم بحمل الأثقال ليلا ونهارا، وتسلل بعض شيوخهم إلى إبليس عاتبين، فسألهم “ألا تذهبون بالأثقال وتعودون بالمقاطف فارغة؟ هذه الراحة توجب عليكم أن تحمدوا الله”. وأحيط سليمان علما، ففرض عليهم حمل الأثقال جيئة وذهابا، ليلا ونهارا. وحين ذهبت الجن إلى إبليس، وأبلغته أن الجبار ضاعف العذاب بسبب مشورته، تبسم إبليس قائلا “أبشركم بالفرج”، ومات سليمان.

ونبهني البعض إلى أن التلفزيون الحكومي، والقنوات الخاصة المملوكة لرجال المال، تخصص برامج في أوقات مختلفة، لتهيئة الشعب لتعديل الدستور، ويواصل كتبة مجندون في كتائب تعبوية للإيهام بأن الدولة ستتداعى إذا تم احترام دستور ينص على عدم جواز انتخاب الرئيس “إلا لمرة واحدة”. ولا يجمع أصحاب هذه الدعوى إلا كراهية الثورة الشعبية التي نادت بالحرية في 25 يناير 2011، عداء مريض يخاصم المنطق، ويعادي دستور العام 2014، وينتقد موقف الجيش الذي أعلن احترامه للثورة، وأدى التحية العسكرية لشهدائها عقب إعلان خلع حسني مبارك.

الثورة استهدفت العدل الاجتماعي، وانتزاع الحريات، والاحتكام إلى الكفاءة، بدلا من الردة غير الوطنية غير الآدمية إلى إيثار أهل الثقة على ذوي الكفاءات، ومصادرة الحريات بصورة يهون إلى جوارها المشهد العام في نهاية حكم حسني مبارك

ثار الشعب على الاستبداد والتوريث، وفي سبيل العدل والحرية قدم قرابينه، شهداء معروفين ومجهولين، ولم يهنأ بثمار الثورة، واحتوت القوى المضادة للثورة في موجتيها براءة الثائرين، وعاد الشعب إلى دائرة التهميش، ويُطالب بالدفاع عن “خطيئة” الخروج الكبير في 25 يناير، وتدفعه الإجراءات الاقتصادية إلى الكفر بثورة تلاها غلاء غير مسبوق، وإرهاب هلامي موزع على خارطة البلاد من سيناء إلى الصحراء الغربية.

ولا يعي البسطاء، وهم ظهير أي حكم بوليسي، أن الثورة استهدفت العدل الاجتماعي، وانتزاع الحريات، والاحتكام إلى الكفاءة، بدلا من الردة غير الوطنية غير الآدمية إلى إيثار أهل الثقة على ذوي الكفاءات، ومصادرة الحريات بصورة يهون إلى جوارها المشهد العام في نهاية حكم حسني مبارك، فقد أضيف إلى الطابع البوليسي التقليدي تفاخر بالوشايات، واعتقال بالاشتباه، وإيهام الناس بأن كل من يقول رأيا مختلفا، أو يحمل كاميرا، ليس إلا عدوا للوطن، في تناقض صارخ بين كلام كبير عن ثقة بما يرونه نهضة يضعون لها عنوان “المشاريع القومية”، وهشاشة وارتباك خشونة تخشى كاميرا المخرج السينمائي حسام علوان، وتحبسه لأيام لأنه صور الشارع من شرفة بيت. ولا يدري العسكري الذي فرح باصطياد المخرج الأعزل أن لدى الأعداء الحقيقيين وسائل تصوير لا يدركها وعيه التقليدي، وأن الأوطان لا تسقط بكاميرات المخرجين، إنما تسقط الأنظمة بقصور خيال رجالها، وإرهاب الشعب واستبعاده من المعادلة، وفي السقوط لا يبالي الشعب بالحاكم، ويسخر مرددا “البلد بلدهم”، وهي مقولة تلخص مواقف المصريين من إسقاط مشروع محمد علي، وربما عبر عنها العراقيون بمقولات مشابهة، حين أبدوا لا مبالاة بإنهاء حكم صدام حسين في 9 أبريل 2003.

المشاريع الكبرى، التي يسمع عنها المصريون الآن ولا يرون آثارها في التنمية أو في تفاصيل معيشتهم، كانت حقيقة في تجربة محمد علي. لم يجمّل الرجل مشروعه العائلي بإخفاء ملامح دكتاتوريته العسكرية، وكان المصريون أداة للبناء، وسلاحا في الجيش، محتقرا من الباشا الذي يشبه الشعب بالسمسم، يسحقه فيستخرج منه الزيت، ولم تكن المدارس المتعددة إلا روافد لإمداد هذا المشروع بما يضيف إلى البناء، بعيدا عن رفع مستوى الوعي، واكتساب المعرفة، وتحسين أحوال المعيشة، وإرساء أي نوع من العدل.

في هذا التهميش والإقصاء عن المشاركة، في حصد ثمار النهضة، لم يدافع المصريون عن الباشا حين أنهت القوى الكبرى مشروعه بمعاهدة لندن عام 1840، كما لم يدافع الشعب الألماني عن أدولف هتلر، وهو صاحب تجربة “وطنية” شوفينية واكبها مشروع علمي وصناعي أجبر عليه الشعب، وتم تجييشه وتجنيده لتحقيق أحلام الزعيم النازي.

انتهت تجربتا محمد علي وهتلر بلا عزاء، ونسي الناس تلك النهضة في سنوات الصعود، فكل الدكتاتوريات تتحصن ببناء علمي وصناعي، وكل دكتاتور يعنى بالعلوم الطبيعية ويستثمر في العلماء، وفي الوقت نفسه يحتقر العلوم الإنسانية التي يحترف معلموها ودارسوها الجدل والانتقاد، ولا يقدسون أحدا ولا شيئا. ثم انتهت التجربتان بمأساة، فانكمشت دولة محمد علي، ورحب حفيده توفيق بالاحتلال البريطاني وحل الجيش المصري. أما هتلر فتابع نسف درسدن، في جريمة استعراضية ارتكبها الحلفاء بلا داع، والحرب تكاد تنتهي ومعها هتلر.

بين هاتين المأساتين، تجارب أقل شأنا، لم تبك فيها الشعوب جلاديها، ولا تعاطفت مع مصائرهم الدامية. وكان جمال عبدالناصر استثناء، ففي غياب الجيش المهزوم غفر له الشعب غياب الديمقراطية، والوصاية الأبوية، وأنقذه الخروج الكبير بعد مرارة الهزيمة في يونيو 1967. ويوما ما سيخرج الشعب، ويجيب عن سؤال يخص رصيد حكم عبدالفتاح السيسي، مقارنة بإنجاز عبدالناصر في أغلب الأصعدة، باستثناء “بناء حياة ديمقراطية سليمة”، أحد مبادئ ثورة 1952 العصي على التحقق.

8