الشعب يخدم السياسيين.. لبنان ومن بعده العراق

الجمعة 2015/09/11

فوجئ سياسيو لبنان بأن الشعب يطالبهم بإزالة النفايات من شوارع بيروت. لم يكن يخطر في بالهم أن الشعب الذي لطالما جعلوه يلعب في مكان فيما الكرة في مكان آخر صار يخاطبهم بوقاحة كما لو أنهم عمال نظافة تكاسلوا في أداء واجباتهم. سياسيو لبنان تنظف من أجلهم الشوارع، بل الأدمغة والقلوب أيضا. فهم الذين يقترحون على الشعب مشكلاته التي يجب عليه أن ينشغل بها. لا من أجل أن يحلها، فهي ليست من المشكلات القابلة للحل. سياسيو لبنان لهم من الخبرة في صنع المشكلات بما يؤهلهم لكي يكونوا نوعا من السحرة الذين بإمكانهم أن يغيبوا مشاهديهم عن الوعي من غير أن يستعملوا أي مادة سحرية.

ما من مشكلة في لبنان جرى حلها، بضمنها تلك المشكلات التي تتعلق بسبل عيش المواطنين. لا لشيء إلا لأن الجهات المناط بها القيام بحل مشكلات المواطنين لا تملك الدوافع الحقيقية للقيام بذلك، وما من جهة تحاسبها إن هي امتنعت عن القيام بواجبها. ولأن كل شيء مسيّس في لبنان فإن أي تصد قانوني لجهة حكومية فاسدة أو غير مكترثة بوظيفتها يدخل في إطار الخصومة والتنكيل السياسيين.

قدر للشعب اللبناني أن يكون مستمعا، لا جهة يُنظر إليها أو يُنصت إلى ما تريد. كفاءة اللبنانيين تتجسد في تخيل نتائج الخصومة بين الجهات السياسية التي تتقاسم منافع الحكم في الوقت الذي تلقي فيه إلى الشعب نفايات بلاغتها. وهي نفايات فاحت أخيرا رائحتها فخرج الشعب إلى الشارع بطريقة مبتكرة وهو ما أقلق السياسيين.

سياسيو العراق نسخة مستحدثة من سياسيي لبنان. ما تهرأ في لبنان من بلاغة طائفية حضر نضرا إلى العراق ليُخْتَصرَ في سنوات عقودا من الخيال اللبناني. ما فعله الطاقم السياسي الذي جلبه المحتل الأميركي إلى العراق، ارتقى بالعراق سلم الفساد بسرعة قياسية، وهو ما جعل الشعب العراقي يتعرف على نوع جديد من السياسيين لم يكن قد تعرف عليه في تاريخ دولته الحديثة.

سياسيو العراق الجديد يملكون حقوقا مفتوحة من غير أن يكونوا ملزمين بأداء أي واجب، مهما كان ذلك الواجب صغيرا. بل أنهم لا يملكون أي صفة قانونية تجعلهم في متناول المساءلة القانونية، لقد شكلوا شبكة استولت على السلطات الثلاث. فمَن يسأل مَن؟ كل دروب المتاهة التي صنعوها بأيديهم لا يمكن أن تقود إليهم. في وقت مبكر من حكم السياسيين العراقيين الجدد غرقت بغداد بالمزابل. كان ذلك تمهيدا لما سيشهده العراق من نفايات على المستويات كلها.

لقد صعدت طبقة من شذاذ الآفاق وقطاع الطرق واللصوص والوصوليون إلى سدة الحكم وتمكنت من الثروة، بحيث صار بإمكانها فرض أجندتها الأخلاقية على شعب بأكمله.

أفسدت الطبقة السياسية الشعب العراقي بحيث صارت استباحة الممتلكات العامة نوعا من العرف الذي لا يحتج عليه أحد. غير أن ذلك العرف لم يكن مقنعا بالنسبة للشباب الذي أدرك أن مستقبله صار مهددا بالفشل. لذلك خرج الشباب إلى الشارع ليذكروا السياسيين بواجباتهم التي لم تكن مسجلة في أجنداتهم.

سياسيو العراق مفجوعون بالخطاب الشعبي المفاجئ. أكان عليهم أن يتعلموا من سياسيي لبنان أسلوب تحاشي شم رائحتهم؟

كاتب عراقي

9