الشعب يريد إسقاط الفتنة

الثلاثاء 2014/05/27

بعد مرور ثلاث سنوات، لا يزال الأفق السياسي في مجتمعات الربيع العربي مسدودا، وأحيانا مُحكمَ الانسداد، محصوراً بين سيوف الفتنة ونار الاستبداد، منذ السنة الهجرية صفر إلى يومنا هذا. كأن الزمن الذي يحكمنا هو زمن الدوائر المغلقة. واللافت للانتباه أن إسقاط الاستبداد في بعض الأحيان أسهل من إسقاط الفتنة.

أمام الانسداد التاريخي، يُطرح السؤال على المثقف العقلاني؟ ما دوره بالضبط؟ هل دوره أن يتنبّأ أو يتنذر كما يفعل البعض؟ هل دوره أن يسجل المواقف وينتظر؟ بكل تأكيد، ليس دور المثقف العقلاني أن يتفرج على هذا الحراك مبشرا بصبح قريب، أو منذراً بليل رهيب. ليس دوره أن يتفرّج على مجريات الأحداث من موقع المتشائم أو المتفائل، ليس دوره أن يتوقع النتائج قبل النهاية؛ فإن المستقبل ولو بحساب ثوان معدودات غير محسوم سلفا، فما بالك حين يكون الحساب بالسنوات. من طبيعة الزمن أنه محكوم بمنطق الاحتمال وانعدام اليقين، ودورنا ليس أن نقوم بتوصيف ما يحدث كما لو كنا ننقل مُقابلة في كُرة القدم؛ فمكاننا الطبيعي داخل الملعب، أن ننخرط بلا تذمر ولا تنذر في مواجهة مفتوحة مع كل الاحتمالات.

دور المثقف العقلاني ليس أن يقول ما سيحدث، لأن هذا غير ممكن، وإنما أن يجعل ما يقوله طاقة إيجابية قد تساهم ولو بقدر قليل في مآلات ما يمكن أن يحدث. إن الكلمات لا تصف الواقع فقط بل تشكله أو تساهم في تشكله، لاسيما حين تكون الكلمات صادرة عمّن لكلماتهم وقع على العقول.

دور المثقف العقلاني يكمنُ في انخراطه في المواجهة المفتوحة بمعزل عن كل التوقعات التي لا معنى لها في حركة الواقع. دورنا كمثقفين عقلانيين ليس أن نبرر الجمود بدعوى أنّ ليس بالإمكان غير ما سيكون، ولا أن نبعث اليأس في النّفوس من إمكانية حياة أفضل، بل دورنا أن نشجع أيّ اختراق للأفق السياسي المسدود والمحكم الانسداد، دون أن نشترط أن نرى في الحراك فقط ما نحب أن نراه. وإلا فلا شيء سيعجبنا في الأخير. إنه قدر الإنسان ككائن متمرد. لذلك فإننا من باب الواقعية المرنة وفن الممكن نقبل بأن تتفاوت استراتيجيات ومقتضيات الخروج من نفق الانسداد من بلد لآخر. وهذا ما يجعلنا بحاجة ماسة إلى ما يسميه إدغار موران بالوعي المركب، أي الوعي اللا خطي، والذي لا يعتمد على شبكة قراءة وحيدة صالحة لكل الوقائع والأحداث.

إننا كمثقفين عقلانيين نستند إلى منظومة قيم تقوم على المبدأ الأول في التنوير، الحق في الاستعمال العمومي للعقل، وهذا ما يلزمنا بحماية الحريات الفردية والديمقراطية التشاركية والتّحاور العمومي. لكننا قبل ذلك نعتبر أن حياة الإنسان خط أحمر أمام كل الأهداف والرهانات. لذلك، لا نطالب بالانتقام رغم هول الجرائم التي اقترفتها أنظمة الاستبداد؛ لأن الانتقام يحول الضحايا إلى جلادين جدد، بل نطالب على الدّوام بالتفعيل الفوري للعدالة الانتقالية على قاعدة المصارحة والمصالحة والإنصاف.

رفعا للبس نعيد القول مجددا، حين بدأ الجيش السوري يقصف شعبه بالبراميل المتفجرة في ما سمي بالمقتلة الكبرى، وقبل ذلك حين كانت قوات الأسد تقذف بالرّصاص الحي صدور المتظاهرين السلميين في درعا وبانياس وحمص، وتصيب الأطفال وتستهدف حتى الجنازات، قلنا بصوت مسموع، سحقا للممانعة وللمقاومة ولكل أكاذيب “الفحولة العروبية” إن كان الثمن آلاف القتلى ومثلهم عددا من السجناء والمفقودين، وملايين من النازحين واللاجئين، وحرب أهلية لا آخر لها. لكن وأيضا، حين أصبحت وحوش داعش والنصرة تذبح الأهالي تطبيقا للشريعة، المفترى عليها، في مناطق نفوذها لم نتردد في القول، سحقا للثورة إن كانت ستسمح بنحر الناجين من جحيم النظام على مذبح الشريعة. وهكذا وجدنا أنفسنا مرّة أخرى في الزاوية الضيقة محشورين بين مذبحة الفتنة، ومقتلة الاستبداد. ولكل ذلك، فإننا الآن، بوعي شقي وصادق أيضا، نؤكد أننا لن نتردد في مساندة كل من يجرؤ على فتح نفق في هذا الانسداد سواء من داخل النظام أو من داخل المعارضة أو من داخل المجتمع الدّولي.

وبالمناسبة أيضاً، لسنا نحاسب المنتظم الدولي أكثر ممّا يجب؛ وإلا، فإننا لا ننسى تبعات مقتل السفير الأميركي في بنغازي، ولا ننسى الهواجس الدولية المشروعة جراء ارتفاع منسوب الإرهاب العالمي سواء في ليبيا أو سوريا أو اليمن أو غيرها.

أي نعم، نحن ضدّ تدخل الجيش في السياسة، وأملنا ألا يستولي العسكر على السلطة حين تحمله الفتنة على التدخل السياسي. غير أن مبدأ الحياد السياسي للمؤسسة العسكرية لا يعني شيئا حين يكون البلد في حالة حرب أهلية تخرب الأوطان وتدمر العمران وتقتل الإنسان، لا يعني شيئا حين تحتل الميليشيات التكفيرية الأزقة والشوارع بقذائف آربيجي وصواريخ أرض جو المضادة للطائرات، ترهب وترعب وتدمر وتفجر وتختطف حتى الوزراء والسفراء لكي تقايضهم بالمال والمواقف، وأمام أنظار بل تواطؤ معظم أعضاء الحكومة والبرلمان.

أسقط الشعب الليبي الاستبداد بالأمس، لكنه وقع اليوم مباشرة في الفتنة، وهو يريد الآن إسقاط الفتنة، إسقاط الإرهاب، لكن دون العودة إلى الاستبداد، وهنا المعادلة الصعبة.

وفي كل الأحوال فإنّ الرهان على الخروج من ثنائية الفتنة والاستبداد، يظل رهاناً صعباً لكنّه ضروري. لقد انطلقت عملية كرامة ليبيا لأجل استعادة السلم الأهلي، ونزع الأسلحة عن جماعات الفتنة، بدعم شعبي كبير، ولابدّ من تحقيق هذا الهدف، لابدّ من تجريد العصابات التكفيرية من أسلحتها الفتاكة. هذا أولاً وقبل كل شيء، وبعدها يصبح بناء الدولة مسألة تفاصيل.

وفعلا يبقى النقاش واجبا حول حدود دور الجيش في الزّمان والمكان، حتى لا يتكرّر السيناريو التايلاندي الأخير، وهو سيناريو مؤسف بكل المقاييس. لكن المبدأ الأساس، حياة الناس أولا. مبدأ تمليه علينا الفطرة الإنسانية، لاسيما حين يتعلق الأمر بأرواح الملايين. والخوف كل الخوف من أن يعود الاستبداد بوجهه القبيح وبدعوى حماية أرواح الناس هذه المرّة. على أن هذا الخوف المشروع والذي نحمله بدورنا لا يبرر إرغام الجيش على البقاء داخل ثكناته، وترك الناس، يذبح بعضهم بعضا، تحت أنظار دولة فاشلة.

أخيراً، تحمل لنا تونس أملا كبيراً في انتقال صعب بكل تأكيد لكنه آمن أيضاً، نحو الحداثة والديمقراطية، بلا توريط للجيش، بلا تدخل خارجي. لكن، حين يفشل الساسة في تدبير التوافق والعيش المشترك، حين ينفخون بأفواههم في رماد الفتنة الدينية والحرب الأهلية والاقتتال الطائفي فينهار كل شيء، يصبح إنقاذ أرواح النّاس مهمة عسكرية.

لا ندافع عن أي خيار مسبق ولا عن وصفة جاهزة لكل الحالات، نؤمن بأن الواقع معقد، لكننا مستعدون للتنازل عن بعض القناعات حين يتعلق الأمر بإنقاذ حياة الناس. الحقيقة أن لا شيء يبرر الموت. الموت هو الحدث الوحيد غير المبرر، هذا حين يكون الموت طبيعيا، فكيف حين لا يكون الموت طبيعيا؟


كاتب مغربي

8