"الشعب يريد" لجلبير الأشقر.. مواقف مثالية وترويج للعنف الثوري

السبت 2013/11/30
ما دام هناك فقر واستبداد توقعوا انتفاضات أخرى على الطريق

كتاب "الشعب يريد" لجيلبير الأشقر الذي صدر مؤخرا بالأنكليزية والعربية عن دار الساقي في لندن يستند إلى الأبحاث المعمّقة والمفصّلة التي أجراها الكاتب، والمحاضرات التي ألقاها في الجامعة وخارجها، وإلى الزيارات المتعددة التي قام بها، والاتصالات التي أجراها في المنطقة؛ وهو يتناول بصورة أساسية البلدان العربية الأعضاء في الجامعة العربية، باستثناء بعضها، كما يقول المؤلف في مقدمة الكتاب.

ينتقد الكاتب "العقائدية النيوليبرالية الاقتصادية التي ترى بأن إرضاء العرب الفقراء يحتاج فقط إلى تبسيط الإجراءات الإدارية وتيسير الحصول على القروض الصغيرة". ويعتبر بأن "الاستثنائي حقا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هو معدّل بطالة الشباب" وهو لا يجده التفسير الوحيد للبطالة في الهرم السكاني الذي يشير إلى انتشار المجتمعات الفتية في المنطقة، وإلى ضرورة التغيير الديمغرافي في هذه المجتمعات وتحديد النسل. فهذه النظرية، حسب الأشقر، "لا تتحدى الأنظمة الاقتصادية المبنية على الفروقات الحادة في فرص العيش بين البشر والمرتبطة بالتبعية للدول الغربية وتوجهاتها، وإنما ترمي إلى الإبقاء على هذه الأنظمة وتلك التبعية إلى الأمد الطويل".

ويوضح الكاتب ذلك بقوله إن "شباب منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا العرب يختلفون عن أقرانهم في المناطق النامية الأخرى ليس بسبب الديموغرافيا بل في الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تضع، حوالي ربع هؤلاء الشباب بين 15 و24 عاما في خانة الباحثين عن عمل" وخصوصا في نسبة بطالة الإناث و"البطالة الضخمة للإناث تعود إلى عوامل ثقافية مرتبطة بالذكورية الأبوية السائدة في المنطقة بسبب نظام السيطرة الذكورية، مما يؤدي إلى مشاركة متقلصة جدا للنساء في القوى العاملة بالمقارنة مع باقي دول العالم". كما أن الطلاب، برأيه، "لا يختارون الاختصاصات الصحيحة التي تؤمن لهم العمل المثمر نظرا إلى أن حكوماتهم لا توجههم في هذا المسار".

ويعتبر الأشقر أن "دعم الدول الغربية لإسرائيل، مرتبط بالمصالح النفطية الأميركية والغربية في المنطقة، وعندما لا تعود أميركا وحلفاؤها بحاجة إلى إسرائيل كنائب عسكري عنها في الشرق الأوسط فإنها ستتخلى عن الدعم الهائل الذي تقدمه للدولة العبرية.


أميركا والإخوان



بالنسبة لنظرة الأشقر إلى جماعة الإخوان المسلمين فإنه يرى بأن "هذه الحركة الأصولية الرجعية دخلت في منافسة مع الحركة القومية واليسار الشيوعي في الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الأولى، وتنازعت معهما الهيمنة على الشرائح الوسطى والفقيرة في المجتمع".

ويضيف: "وصل القوميون إلى السلطة في أعقاب الهزيمة العربية في فلسطين عام 1948، وتجذروا في مواقعهم فيها خلال الستينات، وتمكنوا من تهميش نفوذ هذه الحركة الأصولية "جماعة الإخوان" التي قمعوها. ولكن اعتبارا من السبعينات بدأ إفلاس القوميين جليا وتلاشت مصداقية الشيوعية بتأثير الاتحاد السوفياتي فانفتح المجال أمام توسع جديد للحركة الأصوليّة".

ويعتبر الكاتب أن الانعطافة الأميركية نحو الإخوان المسلمين عادت في عهد الرئيس جورج بوش الابن، بعد طلاق دام طويلا. وفي مصر نفسها وبعد تسلم الرئيس أنور السادات رئاسة البلد عقب وفاة الرئيس جمال عبد الناصر في أيلول/ سبتمبر 1970، استخدم السادات الدين والإخوان كسلاح إيديولوجي في صراعه مع الناصريين واليسار والاتحاد السوفياتي. فأطلق سراح الإخوان المسلمين من السجون المصرية وسمح لهم باستئناف أنشطتهم.

وخلال السنوات التالية حظي الإخوان المسلمون في مصر وفي فروعهم الأخرى في المنطقة بفرص متميزة لدخول عالم الأعمال والوظائف ولا سيما في مجال التعليم، وزاد في سوء العلاقة الإخوانية- الأميركية، حسب الأشقر، هجمات سبتمبر- أيلول 2001 في نيويورك، واشنطن، وارتباط الإخوان المسلمين المتصاعد بسياسات قطر في الشرق الأوسط والشيخ المدعوم قطريا يوسف القرضاوي وبقناة "الجزيرة" الفضائية الداعمة في إحدى الفترات لمجموعات متطرفة في المنطقة.

ولكنّ الدفء عاد إلى العلاقات بين واشنطن والإخوان، حسب قول المؤلف، في عام 2005 على إثر انتشار فلسفة وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كوندوليزا رايس الرامية إلى التصالح مع شخصيات ومجموعات إسلامية تواكب المشروع الأميركي،آنذاك، في المنطقة. ويشير الأشقر إلى أن "الحركة الإسلامية عموما فقدت الزخم في المنطقة العربية في السنوات السابقة لعام 2011، فقمعت في الجزائر وتونس خلال التسعينات، وتخاذل الإخوان المسلمون في مواجهة نظام الرئيس حسني مبارك في مصر وفي مواجهة الملكيتين الأردنية والمغربية، وتواطأ الإخوان العراقيون مع سلطات الاحتلال الأميركية في بلادهم". كما لم يعارض التيار الأصولي، حسب الأشقر، بأي شكل منطق النيوليبرالية الاقتصادي، بل "اكتفى بإدانة الفساد من منظور أخلاقي".


انتفاضة الشباب

رغم أن بعض الأنظمة التي شجعت الحركات الأصولية كالإخوان وغيرهم قد تحولت ضدها لاحقا، فقد حافظ الأصوليون مع ذلك على نفوذهم في حركات الاحتجاج الشعبي


يرى الأشقر أن "الانتفاضات الشبابية في العالم العربي والأيديولوجية المتفشية في صفوف غالبية قادتها وأعضائها هي ليبرالية سياسية وثقافية ممزوجة بحسّ حاد بالعدالة الاجتماعية. وبين قادتها شباب من عائلات مثقّفة وميسورة على غرار عائلة وائل غنيم وكثير من أبناء الطبقة الوسطى من مستخدمي شبكات الإنترنت. وهؤلاء الشباب يشاركون في غالبيتهم، حسب الأشقر، في "حضارة تحرر عالمية، ويشعرون بأنهم أقرب إلى الساخطين في الميادين العالمية والأوروبية العامة منهم إلى الأصوليين في الميادين العامة للمدن العربية، ومرجعيتهم ليست بالضرورة دينية إسلامية وإنما ثقافية عالمية. وتجمع بينهم وبين السلفيين الذين جاوروهم في ميادين المدن العربية لكون المجموعتين ضحايا للبطالة وانعدام الأمان الاقتصادي اللذين تفرزهما الرأسمالية المعاصرة".

بيد أن الأشقر يؤكد بأن دور نشاط الشباب وغيرهم على الإنترنت كان حاسما في تحول نطاق النضال وتطوره نحو انتفاضة معمّمة. ولهذا السبب يقول المؤلف، "شنت الحكومات الاستبدادية العربية حملات قمعية ضد المدونين ونشطاء الإنترنت على الصعيد الإقليمي.. ومورس القمع ضدهم".

ويذهب الأشقر إلى إقرار "وجود فارق كبير بين المجتمع العسكري الصناعي في بلد مثل مصر، وبين المجتمع العسكري القبلي في بلدان عربية أخرى اضطر بعضها إلى اللجوء إلى قوات مرتزقة لا روابط لها مع الأغلبية الشعبية في البلد، وبعضها أجنبي".

ويبالغ الأشقر في دعوته لاستخدام العنف وتسليح الثورات العربية عندما يقول بأن الانتفاضة الجماهرية مهما بلغ حجمها ليس لها سوى حظوظ قليلة في الإسقاط السلمي لنظام يملك حرسا "بريتوريا" ذا ولاءات طائفية أو إقليمية، ويقتضي، حسب قوله إسقاط نظام كهذا بالمواجهة المسلحة. ومثاليته هذه تقوده في كثير من مراحل الكتاب إلى شن الحملات القاسية يمينا ويسارا على مجمل الدول العربية وأنظمتها من دون أن يربط هذه الأمور بالصراع العربي- الإسرائيلي وقمع إسرائيل للعرب والدور الذي لعبه تأسيس دولة إسرائيل في نشوء أنظمة رجعية وقمعية في العالم العربي، ونشاط إسرائيل وحلفائها الغربيين في تشجيع وتمويل ودعم الفوضى والانقسامات والصراعات الدموية في العالم العربي، فيما تحسنت الأوضاع الاقتصادية والسياحية والأمنية في إسرائيل لتصبح إحدى أكثر دول العالم أمنا واستقرارا واستقطابا للزوار والسياح.

ولعل مثالية الكاتب تتجلى في دعوته إلى تقويض القوات المسلحة في بعض الدول العربية من الداخل في ما يشبه الانقلابات العسكرية بحيث يدعو إلى كسب تعاطف الجنود وضباط الصف للانقضاض على الأنظمة بواسطة السلاح.


آراء مثالية


يتأسف الكاتب على أن العواصم الغربية، وعلى رأسها واشنطن، رفضت عسكرة النزاعات وامتنعت عن التدخل العسكري وعن توفير السلاح للمقاتلين في نزاعات المنطقة خوفا من استخدامه ضدّ مصالحها في الأجل المتوسط والطويل.

والسؤال يُطرح: ما هو الغريب في مثل هذا الموقف؟ ألم يستخدم المقاتلون المتطرفون الذين يدّعون الدفاع عن الإسلام السلاح بوحشية ضدّ الأقليات المسيحية وغيرها في دول عربية؟ وهذا أمر يحرّمه الإسلام. ألم يحرقوا الكنائس ويعتدوا على المقامات الدينية؟ فهل المطلوب من قيادات الدول الغربية أن تسلّح مجموعات تكفيرية متطرفة تخطف المطارنة والأبرياء في سبيل مثالية غير واقعية؟ وهل يجب أن تشجع الدول الغربية وأميركا تهجير الأقليات المسيحية وغيرها من العالم العربي، أو أن تطرح الحلول الديبلوماسية كما تفعل الآن؟

17