الشعراء الجدد تجديد ومغامرة

الأحد 2016/10/09
الكتابة حق مكفول في أيّ نوع من أنواعها لا سيما الإبداع

نشرت جريدة “العرب” مقالاً للكاتب حسونة المصباحي، تحت عنوان “الشعراء الجدد” وكان هجومًا كاسحًا على الجيل الشعري الجديد، بتهم شتى، قاسية إلى درجة الإلغاء والإقصاء لهؤلاء، والذين لا نعلم هل المقصود في مقاله شعراء تونس، وفيهم مواهب طيبة وثرية، أم شعراء اللغة العربية الجدد قاطبة، والذين يملك بعضهم مواهب خلاقة وثقافة تراثية جيدة ويجيد لغة أجنبية ليزيد ثقافته الشعرية.

حسنًا فعل المحرر الثقافي في العرب أن أبدى حيادية مشوبة بتعاطف مع “الشعراء الجدد” وجعل باب الردّ مفتوحًا، ولأني أستطيع الزعم بأنني من المتابعين للحركة الشعرية بشكل جيد، فقد لمست مواهب تستحق الدفاع عنها، فكان ردّي في هذه السطور.

الكتابة في المجالات كافة متاحة للجميع، وهو حقّ من حقوق الإنسان، ما دام الذي يمارس هواية الكتابة، لا يلغي الآخرين، ولا يواصل الغرور والعنجهية والأوهام، واضعًا مرآة “نرسيس” التي تمنعه أن يرى سواه، وتُزَيّن له أوهامه بأنها حقيقة، وحماقاته بأنها تصدر عن موهبة فذّة يحاربها المجتمع، ويتذمّر من أعداء النجاح الموهومين إلاّ في مُخيلته المريضة.

الكتابة حقّ مكفول في أيّ نوع من أنـواعها، لا سيما الإبـداع، شـرط ألاّ تـتسـبـب بخلق أوهام وأكاذيب وإساءات لحقائق التاريخ وعقائد الناس وكرامة الإنسان وإلغاء الآخر عبر تمجيد الذات والطائفة والقومية والإثنية والمناطقية، متخذًا من الإبداع شعرًا أو سـردًا أو فنونًا أخرى، مجالاً حيويًّا له وتحت يافطتين، الأولى حرية التعبير والإبداع والثانية الدفاع عن حقوق مهضومة للفئة التي ينتمي لها الكاتب.

إيماننا بحريّة الرأي والتعبير يتكسّر ويتراجع، بل يتحوّل إلى مجرّد شعارات فارغة، حين نتحوّل إلى أوصياء على النّاس، فنطرد هذا من جنة الكتابة، ونتهم ذاك بأنه طفيلي على هذه الجنة وأهلها؛ الكتابات الهزيلة الردّ عليها يتجلى بتجاهلها لا أكثر، ووضع الكتابات الجيدة الرصينة في ميزان النقد لبيان قيمتها والإشارة إلى نقاط ضعفها، ما يلفت الأنظار إليها، ومنح فرصة لمبدعيها أن يتجاوزوا نقاط ضعفهم.

بعض الرواد لم يجد لغة أخرى تمكنه من القراءة فيها والترجمة عنها

يُنظر إلى اللغة العربية بوصفها لغة شعر وإبداع، مثلما يُوصف الناطقون بها بأنهم من “أمّة شاعرة” هذه اللغة كثيرًا ما اقترنت بها جملة تتردّد على ألسنة النُّخَب “يكاد يكون كل عربي قال أو كتب شعرًا في مرحلة من مراحل حياته، مرة على الأقل” لكن وجود هذا العدد الهائل ممن حاول كتابة الشعر، لفظ الزمن ما حاولوه وأبقى لنا التجارب الجديرة بالبقاء.

كان العرب قبل الإسلام وربما حتى العصر الأموي، يقولون الشعر سليقة، لكن التاريخ لم يذكر لنا سوى مئة وعشرين شاعرًا برزوا قبل الإسلام ولا أظنّ أن الذين برزوا على امتداد المئة الأولى من عمر الإسلام بأكثر من هذا العدد إن لم يكن أقلّ، لكن الذي علق في الذاكرة الجمعية أقلّ بكثير، حتى أن قرّاء التراث ممّن ليسوا ذوي تخصص يجدون صعوبة في الحديث عن خمسين شاعرًا.

كان العصر العباسي طويلاً ومعقدًا ممّا أسفر عن الآلاف من الشعراء، وأتذكر حين قلت لصديق متخصص بالتراث عن مجموعة سكانية مجاورة ومحايثة للعرب، (بأن عدد الشعراء والأدباء عندهم ممن ماتوا قبل الاحتلال الأميركي للعراق في 2003 دون المئتين كثير)، عَلّقَ بقوله “إن هذا العدد تجده في العصر العباسي كل عقد أو عدة عقود من السنين”، ذكرت ذلك للدلالة على ما خلّفه لنا العصر العباسي، لكنّنا لو تحدثنا فلن يبرز في حديثنا سوى قّلة، ممن ولدوا ما بين نهاية المئة الهجرية الأولى وبداية المئة الهجرية السابعة.

إذا كان الروّاد أجادوا لغة أخرى وترجموا منها أو قرأوا بها، فهذا كلام تعميميّ، لأن بعض الرواد لم يجد لغة أخرى تمكنه من القراءة فيها والترجمة عنها، وثمة أجيال جاءت بعد الرواد أبدعت لنا طرائق جديدة بالشعر وكانت ممن لا يجيد لغة أخرى بل ولم يحرز تعليمًا جيدًا، ومثال هؤلاء عقيل علي (توفي 2005) وكمال سبتي (توفي 2006) وإذا كان كمال سبتي متبحرًا بالتراث، متمكنًا من اللغة ونحوها حدّ أن قيل عنه بأنه “حنبلي في النحو”، فإن الشاعر عقيل علي وهو الخباز، كثيرًا ما أشيع عن جهله بضبط مخارج الحروف، ولحنه المتكرر في أثناء القراءة (إن صحّت الإشاعة). لكنّه يبقى في مجموعتيه “طائر آخر يتوارى” و”جنائن آدم” من المجاميع الشعرية المميزة في مسيرة قصيدة النثر العربية.

لا جناح على أن نقترف كتابة الشعر والرواية والإبداع بعامة، فالزمن كفيل بالغربلة، والمثقف الحقيقي قدرته على التمييز واضحة ولا شكّ فيها، لكن الخطورة تكمن في تحويل الكتابة إلى أدلجة يراد بها نشر الكراهية والعنف وتمجيد الهوية الضيقة.

شاعر وناقد من العراق

12