الشعراء العرب ساهموا في خلق الشعر المجري

مع كل حدث تاريخي يتغير مجرى الشعر المجري جارفا معه العديد من الشوائب الشكلية والمضامين التقليدية.
السبت 2020/10/10
آتيللا يوجيف أشهر شعراء المجر

كان الشعر أكثر الإبداعات التصاقا بالحالة العامة، وهو ما جعله في صدارة المشهد الثقافي من حيث احتكاكه المباشر بالقضايا السياسية والاجتماعية ومرافقته للأحداث التاريخية الكبرى، لذا كان الشعر الأقرب إلى الناس وكان الأكثر انفتاحا إذ يتأثر الشعراء ببعضهم البعض حتى ولو لم يكونوا من نفس الثقافة، وهو ما نراه في الشعر المجري الذي تأثر بنظيره العربي.

يقدم الشاعر العراقي نبيل ياسين لمختاراته للشعر المجري والتي عنونها بـ“أكثر ضجة هذه الغابة” باستعراض تطور الحركة السياسية في المجر وأثره على الشعر المجري، موضحا المراحل التي قطعتها التجربة الشعرية المجرية الحديثة، كاشفا أن هناك المئات من الشعراء المجريين الذين ما زال تأثيرهم كبيرا في الشعرية الأوروبية.

ولفت المترجم إلى أن هناك طوال نصف قرن على الأقل، مئات أخرى انضمت إلى تاريخ الشعر المجري الثري. وجنبا إلى جنب مع هذا الكم الوافر، هناك فيض زاخر من الشعر المجري الرفيع في مختلف العصور. وهذا الفيض غالبا ما ارتبط بأحداث كبرى شهدتها القارة الأوروبية أو بلاد المجر نفسها.

الشعر والسياسة

ورأى ياسين أنه منذ الستينات وقبلها، أي بعد أحداث 1956، انعطفت السياسة الثقافية في المجر انعطافة واضحة. وتخلت عن طرح الأيديولوجيا على الشعر، وعلى الأدب كإطار ضيق للتفكير والرؤية. وقد خضعت السياسة القديمة في الثقافة للنقد حتى بدا وكأن الليبرالية هي واحدة من سمات الشعر المجري الحديث. وفي مقالته “الشعر المجري الجديد 1956-1975” يقول الناقد المجري آمه باتا “إننا يجب أن نحسب حساب السياسة الأدبية، فالسياسة الأدبية الاشتراكية لا تزال لا تملك تقاليدها”.

وقد شارك الشعر المجري في صياغة المشاعر السياسية والقومية والإنسانية للمجريين، كما شارك في صياغة الموقف من الحياة والطبيعة والعالم، فضلا عن مشاركته في صياغة الأشكال المعبرة البارزة في الحياة الروحية. ويبرز شعر الحب واحدا من العناصر المجرية الخاصة، حيث يفيض في نفس كل مجري سواء كان تعيسا أو سعيدا في حبه أو حياته. فالعاطفة الشعبية المجرية تجعل من شعر الحب تراثا وتقليدا لا غنى عنه.

وقال ياسين إن الشعر المجري يساهم في إنشاء جماليات محلية حتى في حالة الانفتاح الثقافي على الغرب. وقد كان هذا التراث قاعدة انطلاق المرحلة الحديثة التي افتتحها أندريه آدي (1877-1919) وطورها وقفز بها قفزة كبيرة آتيللا يوجيف (1905-1937) الذي أصبح يوم ميلاده يوما للاحتفال بالشعر المجري سنويا. بعد اتجاهات العشرينات والثلاثينات التي التفت حول اتجاه مجلة الغرب “NYUGAT” ألقت الحياة الأدبية بالعديد من الشعراء إلى السطح.

تاريخ الشعر

مختارات من الشعر المجري
مختارات من الشعر المجري

مع كل حدث تاريخي، أو انعطافة كبرى، يتغير مجرى الشعر المجري جارفا معه العديد من الشوائب الشكلية والمضامين التقليدية. والظاهرة العامة التي تميز الشعر المجري هي أن الانعطافات السياسية والفكرية والاجتماعية هي انعطافات شعرية أيضا. فالشعر والسياسة في المجر مرتبطان ببعض، فقد لعب الشعر منذ منتصف القرن الثامن عشر دورا تنويريا شارك في النهضة التي شهدتها المجر على الصعيد الفكري بشكل فعّال وبارز؛ فشاندور بتوفي الرمز التاريخي للشعر المجري أصبح كذلك من خلال قصائده ومشاركته في الثورة التي اجتاحت المجر والتي كانت انعكاسا للثورة التي اجتاحت غرب أوروبا عام 1848. وكان مؤلف النشيد القومي للمجريين.

وأوضح مترجم المختارات أن المجر كانت أول وأكثر بلدان أوروبا الشرقية تقبلا لانعكاسات عصر النهضة الأوروبية، وكان تأثير التطورات الثقافية لفرنسا لا يزال فعالا. ومع هذا فإن الشعر المجري ظل أمينا لخصوصيته الفنية شكلا، والأشكال التجريبية محدودة فيه، وتيار قصيدة النثر لا يزال غريبا.

وكان يانوس بانانيوس (1432-1472) أول شاعر مجري مدوّن يكتب أشعاره باللاتينية، لغة الثقافة لبلاد المجر قبل ثلاثمئة عام. قبل ذلك، كان الشعر المجري ينتقل شفهيا. وقد عرفت أوروبا هذا الشاعر ممثلا للفكر الحر الممهِّد لعصر النهضة. ثم صدرت “الإنسكلوبيديا المجرية” عام 1653، وكانت تعبيرا عن نفوذ الأفكار التنويرية التي عرف الشاعر فيتزميهاي چوكونايي (1773-1805) كمبشر بها.

وأضاف ياسين أن تأثيرات الرومانتيكية الألمانية دخلت في الفترة التي تصاعد فيها المد القومي المجري. وتطورت مشكلات النضال من أجل الاستقلال وتصفية الإقطاع. وفي النصف الأول من القرن التاسع عشر توطد تطور الرأسمالية، خاصة في القطاع الزراعي، وظهرت مشكلات التقدم الاجتماعي والتحرر القومي على أشدها في الصراع الأيديولوجي، مما أظهر قبل كل شيء، الحاجة إلى اللغة القومية والتخلي عن اللغة اللاتينية في سياق البحث عن الهوية في ظل تزايد الوعي القومي. وظهرت الحاجة إلى تطوير الأدب باعتباره مجالا للتعبير عن تلك المشكلات.

هذه المرحلة بالذات شهدت ظهور الشعراء والكُتَّاب والمفكرين على رأس حملة الإصلاح وعلى رأس مرحلة التحول، جنبا إلى جنب مع قسم من النبلاء المتنورين وعلى رأسهم زعيمان للحركة الإصلاحية القومية هما اشتفان سيچيني (1791-1860) ولايوش كوشوت (1802-1894) وتوّجت هذه المرحلة بالثورة الوطنية البرجوازية المجرية الكبرى، ثورة 1848. لكن فشل الثورة أظهر إلى الوجود ملكية النمسا والمجر التي قضت على آمال الحركة الفكرية والأدبية أيضا. وكذلك ظهرت تأثيرات الهيغلية في فترة الإصلاح وانعكست في الأعمال الجمالية ليانوش أرديي (1814-1868) وفي كتابات رواد الحركة العمالية الأوائل الذين تأثروا بأحد قادة كومونة باريس وهو ليو فرانكل (1842-1896) الذي عاش بقية أعوامه في المجر.

وأشار إلى أن تاريخ الشعر المجري يبدأ من الشعر الغنائي الشعبي مجهول المؤلفين. وهو يضم تراثا من البالاد الكلاسيكية، وأغاني الأطفال وشعر الحب وشعر الصعاليك الجوالين والبالاد الجديدة وأغاني ثورة 1848 وأغاني الجنود. يضاف إلى ذلك أغاني الفلاحين ورعاة البقر وشعر المرحلة التنويرية، وهي الكلاسيكية الحديثة، ثم الشعر المجري الذي بدأ في مطلع القرن العشرين وشهد تطورات عامة حتى اليوم.

شغلت الفترات الأولى شعراء لم يتم التعرف على أسماء بعضهم، كما لم يُعرف شيء ذو بال عن تاريخ البقية من الشعراء حتى جاء چوكونايي مجددا في الشعر المجري من خلال تعرفه على شعر الخيّام وسعدي الشيرازي حتى أنه كتب قصيدة في المجرية على وزن بحر المتدارك تقليدا للشعر الشرقي. لكن ولادة الشعر المجري الحديث تبدأ مع فورشمارتي، مع بداية القرن التاسع عشر وتطورت مع الأحداث العاصفة للقرن الماضي: التحولات الاجتماعية والسياسية والعلمية، تطور الفلسفة والصراع الأيديولوجي، الصراع القومي، الثورات والانتفاضات العاصفة وغيرها من أحداث عصفت بأوروبا وانعكست على المجر بشكل مباشر.

إن القرن التاسع عشر هو الذي أعاد ظهور شخصية المجر؛ لذلك فإن فورشمارتي سعى إلى تطوير اللغة المجرية نفسها إلى لغة قومية تستوعب العصر وأمدها بعناصر حيوية جديدة هو ويانوش آران وقدما ترجمة لأعمال شكسبير في هذه الفترة كإبداعات إنسانية عالمية لا غنى للأدب المجري عن التأثر بها.

وقال “في منتصف القرن التاسع عشر ظهرت الرواية المجرية أيضا. يقول جورج لوكاش في “الكتابات الجمالية” (1930-1945): إن عالم الرأسمالية هو عالم النثر اللامفهوم. وكلما تقدم تدهور الرأسمالية كلما أصبح هذا النثر لا مفهوما أكثر ولا معنى له وتتحول الرأسمالية نفسها إلى نثر.

لكن لوكاش كتب ذلك عن أحد كبار الشعراء المجريين في الثلاثينات وهو أندرو غابور وهو يقيم تحت حكم ستالين في الوقت الذي كانت المجر تعج بالشعر تحت الحكم الرأسمالي المتدهور فيها.

ورأى ياسين أنه منذ الستينات وقبلها، أي بعد أحداث 1956، انعطفت السياسة الثقافية في المجر انعطافة واضحة. وتخلت عن طرح الأيديولوجيا على الشعر والأدب. وقد خضعت السياسة القديمة في الثقافة للنقد حتى بدا وكأن الليبرالية هي واحدة من سمات الشعر المجري الحديث. وفي مقالته “الشعر المجري الجديد 1956-1975” يقول الناقد المجري آمه باتا “إننا يجب أن نحسب حساب السياسة الأدبية، فالسياسة الأدبية الاشتراكية لا تزال لا تملك تقاليدها”.

ولفت إلى أنه منذ الستينات ظهر جيل شعري جديد أكثر تطلعا إلى الغرب وإلى الليبرالية يقف في طليعتهم شاندور چوري (1930) الذي كان من المساهمين في تأسيس الحزب الديمقراطي المجري القومي الاتجاه، الذي حكم المجر في أول انتخابات بعد النظام الاشتراكي، وكان سبق له أن وقّع في ميونخ، أثناء اشتراكه في ملتقى ثقافي هناك عام 1986 على بيان يهاجم الشيوعية في المجر ويطالب بالحريات.

 إن الشعر في المجر يتعرض الآن لتحديات كبيرة فلم يعد الفن الشعبي كما كان من قبل، ولم يعد على تلك الصلة نفسها مع الناس. وهذه الحالة دفعت الشاعر اشتفان فاش إلى التساؤل في مقدمة الأنطولوجيا السنوية للشعر المجري لعام 1987 عن حالة انقضاء مجد الشعر، ذلك المجد القريب الذي كان الهالة القومية التي تحوم فوق رؤوس الشعراء المجريين.

نماذج من الشعر المجري

  • أندره آدي (1877-1919)

ماذا يشدني إلى هنا؟

ماذا يشدني إلى هنا؟ حيث لا يحبني أي أحد

في هذا المكان الغريب لماذا،

الورد هنا أجمل، وأكثر عطرا من أي مكان آخر

اكثر ضجة في هذه الغابة

من الطيور المغنية قلبي…

مزاجه رائق لماذا فقط أن يكون هنا؟

هنا يشعر حقيقة هنا

يستطيع حقيقة

أن يحب وأن يكره ساعات بدلا عن الحياة

أو (هكذا أنشد نشيد الأنشاد)

لم تأت أبدا إليّ خطيبتي

لم تأت أبدا من كانت يجب أن تأتي

في الزمن فوز، مال، حرب، سلم وقلب

سيدة كله قرب قلبي في سريري الأجمل

لم يكن الحب مشتعلا

وحرير قفطاني الأبهى قد بلي

وغرقت أجمل رغباتي في قلبي

لم تأت خطيبتي رغم أني انتظرت ثمانون..

جميلات، مغريات، باكرات

في الأسرة ستون ملكة

أغلقت القاعات عليهن

لم تأت خطيبتي أنا،

ولعلها تأتي رغم ذلك

وتفضل فراشي الذي من شجر لبنان اليتيم

أعمدته القوية الفضية تهتز وتجعّد مخمله الأقدام الناعمة

وتتلامع ظلته الذهبية.

لمن هذه اللمى العذبة هكذا والنجمة البعيدة

لماذا تلمع هكذا لماذا تشرد النجمة والخطيبة والشفة الذابلة،

لماذا جائعة هكذا خطيبتي لم تأت،

وعبثا أنتظر انطلقن ايتها النساء،

سأفتح لكنّ الأبواب

فإذا لم تأت هي لن يكون قرينا لي

أيّ أحد النجوم العابرة تنشر عليّ ضوءها

وقد تخدرت باليبروح الرخيص

وبدلا عن الحياة،

لا تأتي سوى ساعات.

  • شاندور چوري (1930)

ولادتي الثانية

أجيء تحت الغيوم

أحمل ذكرى ولادتي

وباتجاهي يتلامع نهر ما

مثل سكين منسية على مائدة

تحت الشمس.

جبلُ منجمٍ طيني، جهنمي اللون

واديه الضيق يفتح طريقا

أتركه مثل طفولتي

وكل ما أحببته أتركه

لأكون حرا أخيرا.

13