الشعراء العرب ضحايا لغتهم العربية

شهد المغرب ولادة جيل شعري مميز ساهم في بلوغ الشعر المغربي أعماق مجتمعه مصدرا إياها إلى العالم مثبتا أن المغرب بلد الشعراء أيضا وليس بلد النقاد والروائيين كما يدعي البعض من النقاد. “العرب” التقت الشاعر المغربي عبدالرحيم الخصار الذي يعد من أبرز التجارب الشعرية الراهنة بالمغرب في حديث حول الشعر والشعراء.
الأربعاء 2016/10/05
النجومية لن تخدم الشعر

القاهرة- يعد الشاعر المغربي عبدالرحيم الخصار إحدى أهم التجارب الشعرية التي يشهدها راهن الإبداع المغربي، والذي ذاع اسمه نتيجة لحضور قصيدته المغايرة والمختلفة، ليحقق المعادلة في كسر الثبات والجمود والتكلس الذي شهدته الساحة الإبداعية الشعرية بالمغرب والتي ظل أغلبها مرتبطا بأيدلوجيات وتكتلات حزبية، لذا جاء صوته معبرا عن جيل كامل يدشن لمرحلة جديدة بعيدة جدا عن الأسماء التي تم تكريسها منذ زمن للمشهد الشعري المغربي، ليصبح واحدا من ضمن أبرز الأصوات الشعرية المتحررة من كل ما كان.

الشعر في الحدائق

قدم الخصار إلى حد الآن أربع مجموعات شعرية هي “أخيرا وصل الشتاء”، وبعدها “أنظر وأكتفي بالنظر” ثم “نيران صديقة”، وآخر مجموعة كان عنوانها “بيت بعيد”. عن الذي يشغل الخصار شعريا يؤكد ضيفنا أن ما كان يشغله على مدار السنوات السابقة ليس تقنيات الكتابة فحسب، بل أن يكون صادقا إلى أبعد حد في ما يكتبه، يقول “إنني أضع حياتي على الورق”، والآن ينقلها إلى الشاشة. فإذا اخترت أن تكتب شعرا حرا، ففي رأيه، يجب أن تتجلى فيك هذه الحرية، في طريقة عيشك، وطريقة تفكيرك، في شكلك أيضا.

القاعات المغلقة غالبا ما تكون ضد الشعر، في مهرجانات أوروبا وأميركا اللاتينية خرج الشعراء من القاعات منذ فترة طويلة

أحيانا يتفادى أن يقول “قصيدة النثر”، ويسمي ما يكتبه شعرا حرا، ويستغرب كيف كان يسمى شعر التفعيلة شعرا حرا وهو لا يزال مقيدا بنظام إيقاعي. يقول ذلك ومازال رهين الشك أيضا في “حرية” أو ”تحرر” قصيدة النثر، لأن الكثيرين يسعون إلى تقييدها بقواعد وضوابط وأشكال جاهزة، فيما هي جاءت، في ظهورها الأول، ضد القواعد والضوابط.

يرى الخصار أن الشاعر يحلم عادة بشيء واحد، هو أن يصير العالم أقل ضراوة. عدا ذلك فلا شيء يستحق أن تتعب روحك من أجله، كما يرى، يقول أقرباء ضيفنا ورفاقه، إن أعصابه مطمورة في القطب المتجمد، فقد درب نفسه على الهدوء، كما يقول، إذ يتساءل لماذا سأملأ بالصخب حياة جاءت من الهدوء وستعود إليه؟ ماذا يكتب الشاعر في زمن هدر الآخر وشطبه؟ يتحدث عن تلك المعارك التي يتم توصيفها بالأدبية والتي غالبا ما تطلق الأحكام المطلقة.

نسأل الخصار ماذا يكتب الشاعر ونحن في زمن الرواية؟ ومتى يعود الشعر ديوان العرب؟ ليجيبنا بأن الشاعر يكتب غالبا غير معني إن كان الزمن زمن شعر أو رواية أو شكلا أدبيا آخر، بل تصير مواصلة كتابة الشعر أمرا ضروريا وملحّا كلما كان الزمن زمنا غير شعري.

وعن راهن الشعر المغربي يقول ضيفنا “الشعر الذي يكتب في المغرب يصعب الحديث عنه من زاوية إصدار أحكام القيمة. هناك أسماء جميلة من مختلف الأجيال وأشكال الكتابة تواصل المهمة، مهمة تشذيب الأشجار والأعشاب بحرفية بستاني معتّق. عموما الثمانينات كانت في نظري مرحلة مهمة عرفت، وبشكل لافت، انفتاح التجربة المغربية في مجملها على تجارب خارج المغرب وتقاطعها معها، فوقع نوع من التحول في الكتابة، والتطور سواء بالمقارنة مع ما يكتب في العالم أو قياسا إلى التجربة المغربية ذاتها، إلى تاريخها القصير. وأقصد هنا تجربة الشعر الحديث”.

يتابع “أما بخصوص القاعات المغلقة فهي غالبا ما تكون ضد الشعر، في مهرجانات أوروبا وأميركا اللاتينية خرج الشعراء من القاعات منذ فترة طويلة، واختاروا أن يكون إلقاء الشعر في الحدائق والغابات والساحات العامة. أتحدث مثلا عن مهرجانات ميدلين وسيت وماناغوا ولوديف وغيرها. وهم بذلك لا يبحثون عن الشعراء النجوم الذين يستقطبون الجماهير، وإنما يحاولون إبداع أشكال جديدة تجعل الشعر محبوبا لدى الناس وقريبا منهم. ربما النجومية لن تخدم الشعر، فليس في صالح الشاعر أن يصبح نجما بالمعنى الفني، وها أنت ترى اليوم أن الشعراء والكتّاب الأكثر شعبية لا يمثلون بالضرورة النماذج الحقيقية للأدب”.

اللغة والرحلة

حول اللغة العربية ودورها في سجن الشعر العربي، يؤكد الخصار أن اللغة العربية لها دور في سجن الشعراء، وإبقائهم خارج دوائر الضوء الكبرى التي تتشكل في القارات الأخرى. وهذا ليس ذنب اللغة العربية، بل ذنب السياسة والاقتصاد وتقلبات أحوال الطقس في سماء التاريخ، وكل العوامل التي تضع لغة فوق لغة. قبل أيام كتب الشاعر وديع سعادة على فيسبوك يشير إلى أن الشعراء العرب ضحايا اللغة العربية، أي ضحايا اختيار لغة الكتابة، وهذا بالنسبة إليّ صحيح، فلو أنهم كتبوا بالإنكليزية أو الأسبانية لكان شعرهم ربما هو الأكثر حضورا في العالم. هناك نصوص عظيمة جريرتها الوحيدة هي أنها كتبت باللغة العربية ومن لدن شاعر عربي. وبالتالي فمساحة تلقيها وتداولها تبقى محدودة.

الكثير من الأسماء التي تصلنا من أوروبا وأميركا هي أسماء صنعت هالتها لغتها وانتماؤها الجغرافي، إضافة بالطبع إلى القيمة الأدبية. الشاعر الأميركي أو الفرنسي دائما يعلو كعبه على الشاعر العربي، ونظل نلهج باسمه ونمجّده حتى وإن كانت الأوساط الثقافية في بلاده قد تجاوزته. أصدر الشاعر عبدالرحيم الخصار مؤخرا كتابا من نصوص الرحلة، لذا نسأل ضيفنا عن أدب الرحلة وأسباب ندرته، ليجيب الخصار بأنه يعتقد بعد غياب أو تغييب لهذا الجنس الأدبي الجميل أن هناك الآن ما يشبه العودة الجماعية إلى هذه الأرض المهجورة.

يقول “كتب الرحلة المعاصرة بدأت تعرف حضورا نوعيا خلال السنوات الأخيرة، ثمة نصوص سردية رائعة تصدر من حين إلى آخر لعدد من الشعراء والروائيين. وما يميزها في الحقيقة هو هذا التحول من الوصف التعريفي للأمكنة والعادات وبسط المعارف المتعلقة بالجغرافيا والتاريخ إلى نقل الكاتب لرؤيته ولأشكال تفاعله مع هذه الأمكنة ووجوهها، لقد أصبحت المعرفة السياحية متاحة للجميع على الإنترنت بالصوت والصورة وبمختلف اللغات، لذلك صار كتاب الرحلة يتفادون هكذا كتابة وينخرطون بالمقابل في أن يقدموا للقارئ ما لم يره وما لم يعشه، أصبح أدب الرحلة اليوم ترجمة للحالات الشعورية للكاتب ولتفاعله مع تفاصيل قد تبدو للكثيرين صغيرة ومهملة”.

يتابع “لم يعد أدب الرحلة يقف عند حدود الوصف، بل يتعداها إلى النقد، لأن الكاتب الحديث صار يكتب متخلصا من أشكال الانبهار. بالنسبة إلي مهمة الكاتب هي الكتابة، بغض النظر عن نوعها. لقد أصدرت عددا من المجاميع الشعرية وساهمت أيضا في كتب أخرى ليست شعرية بالضرورة. وأنا أكتب منذ سنوات نصوصا سردية للأطفال لم أنشرها بعد. وكتاب الرحلة هذا ستعقبه في الغالب كتب أخرى من النوع ذاته إذا طال العمر، إذ لا أخفي ولعي بهذا النوع من الكتابة”. وأما بخصوص النشر، يقول الخصار “أنا لا أفكر أبدا في النشر قبل إنهاء الكتاب، أيّ كتاب. فالتفكير في النشر أثناء الكتابة أو قبلها هو تفكير ضد الكتابة”.

15