الشعراء العرب يغيبون عن مهرجان روتردام العالمي للشعر

انطلق أول أمس مهرجان روتردام للشعر العالمي والذي يستمر إلى غاية الـ13 من الشهر الجاري، لكن اللافت في دورة المهرجان لهذه السنة هو أنه لم يستضف أيا من الشعراء العرب، ولو لمشاركة واحدة. وهذا يعدّ غيابا آخر للأدب العربي -وخاصة الشعر- عن المحافل الأدبية والثقافية الدولية.
الخميس 2015/06/11
شعراء من مختلف التوجهات والمستويات يشاركون في دورة المهرجان لعام 2015

روتردام - يؤكد مدير مهرجان روتردام للشعر العالمي، الذي تدور فعالياته هذه الأيام ويستمر إلى غاية الـ13 من الشهر الجاري في غياب تام للشعراء العرب، السيد باس كواكمان أن “الأولوية للشعر الجيد دون احتساب للغات والجهات”، ويشير إلى أن “المهرجان استضاف أدونيس في عام 2013″، في تلميح إلى أنه لم يجد ما يشجعه على استضافة شعراء عرب هذا العام. وبسؤالنا عن مصادر اطلاعه على الشعر العربي قال إنه يستعين بـ”بانيبال”، وهي مجلة تترجم الشعر العربي إلى الإنكليزية، وتصدرها الناشرة البريطانية مارغريت أوبانك مع زوجها الكاتب العراقي صموئيل شمعون.

لا يؤكل ولا يلبس

تشارك في المهرجان هذا العام “نخبة من الشعراء المكرسين والمبتدئين”، حسب وصف الصفحة الرسمية للمهرجان، من ألمانيا وفرنسا وإنكلترا وجنوب أفريقيا وأستراليا ودول أخرى. وشهد حفل الافتتاح حضور موسيقيين من النرويج وفرنسا لتقديم مقطوعات مستوحاة من القصائد تتخلل القراءات الشعرية، وقال مدير المهرجان في كلمة الافتتاح إن الشعر “لا يؤكل ولا يلبس، ولا يقدّم حلولا للمشاكل السياسية، ولا يوقف مراكب الموت القادمة من أفريقيا، ولا يمنع الإرهابيين من الالتحاق بداعش في سوريا والعراق، ولا يغني كاتبه ولا ناشره ولا قارئه… الشعر كما تصفه الشاعرة الهولندية الفائزة هذا العام بلقب شاعر الأمة، آنا فاختر هو “الكرسي الذي نتسلقه عندما نريد أن نرتفع إلى حقائق أخرى”.

إلى حد الآن لا توجد مؤسسات ومنابر تتولى مهمة ترجمة الأدب العربي إلى لغات أجنبية، في ظل تنامي الحاجة إلى ذلك

وقرأ في سهرة الافتتاح كل من الشاعرة الألمانية بربرا كوهلر (1959)، والشاعر الروسي لاف روبنستاين (1947)، والفرنسي بيار ألفيري (1963) والشاعرة البلجيكية ألس مورز (1976).

تتواصل القراءات التي تقام في المدينة الهولندية، بمشاركة 19 شاعرا من جميع أنحاء العالم، ويشارك في دورة هذا العام بالإضافة إلى الأسماء المذكورة سابقا، الشاعرة البولندية غوستينا بارغيلسكا (1977)، والشاعر الأسباني هاركايتز كانو، وهو روائي وكاتب سيناريو ومترجم روايات الكاتب الأنكليزي من أصل باكستاني حنيف قريشي إلى الأسبانية، ويعدّ واحدا من أبرز الوجوه الشعرية في أسبانيا في الوقت الحالي، والأسترالي لاينول فوغارتي (1958)، الحائز على واحدة من أهم الجوائز الأدبية في بلده، والشاعر الأميركي كنيث غولدسميث (1961)، والشاعر الشيلي يانكو غونزالاس (1971) المعروف بدمجه بين ما هو علمي وأدبي، من ذلك أنه يوظف بحوثه الأنثروبولوجية في قصائده، ويستخدم أشعاره لمحاربة الطبقية، وظواهر أنثروبولوجية أخرى، في تجربة تعدّ مفاجئة للقارئ، كما يشارك من ألمانيا دورز غرونباين (1961)، ومن الصين غيو جيانو (1966)، ومن بريطانيا الشاعرة الشابة يان هدفيلد (1978) الفائزة بجائزة تي أس أليوت الأدبية.
الأميركي غينيث غولدسميث

انهض مع شاعر

على هامش المهرجان تنظم جمعية فنادق روتردام بالتعاون مع الشعراء المشاركين في الدورة الحالية، فعالية أطلقت عليها اسم: “انهض مع شاعر” ويتضمن برنامج الفعالية، زيارة شاعر في بيته أو غرفته بالفندق والمبيت بالقرب منه للاستمتاع بأشعاره، والوقوع في النوم على صوته، ثم النهوض صباحا على صوته أيضا وهو يلقي الشعر، ومن ثم الإفطار معه في الصباح، هذا كما تشهد مدينة روتردام خلال الأيام القادمة العديد من الفعاليات الموسيقية والعروض الفنية والسينمائية تزامنا مــع أيام المهرجان.

ويضم برنامج المهرجان ورشات عمل لكتابة الشعر وترجمته، وإلقائه، ومحاضرات من أكاديميين في تفسير ظاهرتي الشعر واللغة، وعلاقتهما بالدماغ، أو انعكاس الشعر على الحالة النفسية للمتلقي، ويمنح المهرجان جوائز لأهم إصدار شعري وجائزة أخرى لأبرز الترجمات الشعرية خلال العام.

غياب عربي

وعلى عكس السنوات الماضية، عندما كان المهرجان يحرص على استضافة شاعر أو شاعرين عربيين في كل دورة، شهدت هذه الدورة غيابا كاملا للمشاركات العربية، وهو ما دعانا إلى توجيه السؤال إلى مدير المهرجان الشاعر الهولندي باس كواكمان لمعرفة الأساب الكامنة وراء هذا التغييب فقال “هذا العام ركزنا على بلدان ولغات أخرى”.

وعن مقاييس الاختيار قال كواكمان “لا تتحكم فينا أية اعتبارات سياسية أو تحركات تشهدها منطقة دون غيرها، إن الاحتكام للجودة وحدها، ونحن نستعين بمجلة بانيبال لاختيار الشعراء العرب الذين يشاركون في دوراتنا”.

الشعر لا يؤكل ولا يلبس، ولا يقدم حلولا للمشاكل السياسية، ولا يوقف مراكب الموت ولا يمنع الإرهاب

مجهود فردي

من جهته أكد الكاتب العراقي صموئيل شمعون المشرف على مجلة بانيبال الفصلية لترجمة الأدب العربي إلى الأنكليزية، في حوارات سابقة له، أنه لا يتدخل في خيارات المهرجان، وأن القائمين عليه “يتابعون ما تترجمه المجلة من شعر وينتقون الشعراء وفق منشوراتهم فيها”. و يبدو أن الأعداد الأخيرة من المجلة لم تركز على الشعر بصفة خاصة، وكان هناك اهتمام أكثر بالرواية والقصة القصيرة، فضلا عن ملفات خاصة عن الأدب والسجن، وبروتريهات لأدباء عرب متوفين، وهو ما قد يفسر غياب الشعراء العرب عن المهرجان.

غير أن اللافت للانتباه أن عدم تركيز المجلة على ترجمة الشعر في أعدادها السابقة ربما تم تفسيره ضمنيا من قبل المشرفين على مهرجان روتردام للشعر العالمي على أنه غياب للشعر الجيد. وهو ما يدعونا إلى التساؤل عن المسؤولية التي تتحملها المجلة في ضرورة توزيع ترجماتها على مختلف الأجناس الأدبية، ولا تقتصر على الرائج منها مثل الرواية.

ورغم هذا التقصير غير المبرر، إلا أنه لا يسعنا إلا أن ننوّه بالمجهود الذي تبذله المجلة في إيصال الأدب العربي إلى القارئ الغربي، والمهرجانات العالمية وهي مسؤولية تتحملها لوحدها منذ سنوات وبتكاليف ومجهودات فردية ومحدودة. ولا نفهم لماذا تترك مجلة بمفردها للقيام بمهمة كبيرة كهذه، ولا توجد إلى حدّ الآن مؤسسات ومنابر أخرى تتولى مهمة ترجمة الأدب العربي إلى لغات أجنبية، في ظل تنامي الحاجة إلى ذلك، وهو ما يؤكده باستمرار القائمون على المهرجانات الدولية.
15