الشعراء تتبعهم الفراشات

السبت 2013/09/21

من الثابت التاريخي، ذاك الذي نلفيه في "أيّام العرب" وكتب الأخبار والأنساب والحماسة، أنّ شعراء ما قبل البعثة المحمّدية كانوا خيرةَ قومهم وفرسانَ قبائلهم وألسنَتَها اللاهجة بفخرها وصفاء أنسابها.

وهم إلى ذلك أصحاب أمجاد شخصية اختلط فيها غريب السلوك بعجيب القول ما مكّنهم من احتلال المتخيَّل الجمعي في إهاب أبطال أو آلهة أو أنبياء أو سحرة أو قدّيسين.

ولكنّ هذه المكانة ستشهد، منذ ظهور الدعوة الإسلامية وتغوّل السلاطين والحكّام، انتكاسة كبيرة بل ومحنة كبرى، لا بل ومؤامرة خطيرة لم ينته تأثيرها في الحال الشعرية العربية إلى زمننا الراهن. وهي محنة تتجلّى صورتها في مَقُول الآية "والشعراء يتبعهم الغاوون" (الشعراء- 224) التي ذهب الطبري في تفسيرها إلى القول بأنّه "كان رجلان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحدهما من الأنصار، والآخر من قوم آخرين، تهاجيا، مع كل واحد منهما غواة من قومه، وهم السفهاء".

وزاد الطبري من تعداد شروح الآية حتى قال في الشعراء والغاوين: "هم الكفار يتبعهم ضلال الجن والإنس"، بل زاد على ذلك قوله إنّ لفظة الغاوين تنسحب على الرواة والمشركين والشياطين وعصاة الجنّ.

ولا نرى في وصف الشعراء بالكفر، ووصف أتباعهم بالشياطين، إلا مؤامرةً لإسقاط عرش من عروش المعنى في أجناس إبداعنا العربي، ومنعِ القصيدة العربية من أكبر أغراضها القولية التي اخضرّت بها معانيها وهاجت منها صورها زمن الجاهليّة حتى كُتبت بماء الذهب وعُلّقت على باب الكعبة كما تعلّق الرقى أو الوحي.

ولأنّ الشاعر أقدر من غيره على التماهي مع ما وراء العرشِ، وعلى توصيفِ الغيبيِّ خارجَ هذه الأرض ومساءلته بحرقة، فقد اُتهم بالكفر والزندقة، وضُرب فيه مفهوم "الحريّة"، وأُثقل كاهله بمفاهيم التوبة والعقاب، ولم يبق له إلا باب واحد: هو باب مدح الديانة الجديدة وأصحابها.

وهذا ما نراه نفّر أغلب الناس من قول الشعرِ في العصر الإسلامي الأوّل إلاّ ما كان منه هجاءً للقبائل المرتدّة عن الدّين الجديد، كما ساهم في تجفيف منابع التخييل، وضمور الرمز، وظهور شعر الزهد، وأغلبه في تقديرنا من أضعف نصوص مدوّنتنا الشعرية العربية، وتنامي خوف أمراء الكلام من حدث الموت ما جعلهم يكتبون نصوصا يترجّون فيها الرحمة والمغفرة بنَفَسٍ ضعيف وذليل، ويجهرون بـ"إجرامهم الشعري" على غرار قول أبي نواس: "يا رَبّ إنْ عَظُمت ذنوبي كَثرة- فَلقد علمتُ بأنَّ عفوكَ أعظمُ/ إن كَانَ لا يَرجُوكَ إلا محسن- فمن الذي يدعُو ويرجُو المجرِمُ".

ولا نعدم في هذا الشأن، تنبّه الشعراء إلى هذه المحنة، وخاصة شعراء النصف الثاني من القرن الماضي، وإحساسهم بثقل المقدّس الدّيني على أجساد قصائدهم، فدخلوا في معركة رمزيّة مع خطاباته، وأعلنوا عن تمرّدهم على أعوانه وحرّاسه وتعبيراته أيضا.

ومن ثمة خفّ ثقل تلك المحنة، وعاد للشاعر تفرّد رؤيته للأشياء، وصار قادرا على المروق عن عادات الناسِ، معتزّاً بكلّ انكساراته، فخورا بانهزاماته اليوميّة التي يرى فيها سعيَ الإنسان إلى التعالي ومعانقة اللامرئيّ والتحليق بالفكرة بعيدًا في عوالم من الصّور الفنية المُعْجِزة برموزها واستعاراتها وموسيقاها الهامسة همسَ الشيطان بين عاشقيْن. وصار الشعراء تتبعهم الفراشات حيث حلّوا.

16