الشعراء والمنفى: الصليب اللامرئي والكلمات الجديدة

الأحد 2013/09/08

تركنا ملابسنا على حبل الغسيل

وتركناك

أضيئي مصباحك

وطوفي ما استطعت

فلن تجدي غير حبل الغسيل

وشمس ملابسنا الدامية.

***

في المنفى، عندما تتجلى القصائد للشعراء في خيالات أقرب إلى الكوابيس والهواجس منها إلى بستان الألوان الضاحكة في وجود ضاحك. إذ ذاك نحن ننفذ مع الشعر من قشرة الوجود إلى لبه، نحو الأعمق من الكينونة.

وفي المنفى، الشعر الذي يطلع من الأعمق هو شعر جارح ويائس وحزين بالضرورة. وما قصائد الشعراء المنفيين، التي يمكن للمستقبل أن يعتدّ بها، إلا نداءات يائسة، صرخات أناس في عالم يغرق. والشعر، إذ ذاك، هو صوت الحقيقة الذي اغتيل في الإنسان. وفي عالم المنفى تزور الأمكنة الأولى شعراءَها المبرحين شوقا إلى شمس طفولاتهم، المرهقين من ألم النفي والخيانة والجريمة، فهل بقي له إلا أن يُضاء بالكوابيس؟

ما من شهود على عذابات الشعراء، التي هي خلاصة عذابات العالم، أبلغ من قصائدهم الضائعة في أوراقهم الغائمة.

***

كم هو مروِّع لشخص معلق على صليب في فراغ العالم أن يختزن شعره كل تناقضات وجوده في أرض أخرى، من دون أن تتاح لشعره الفرصة اللغوية القادرة على التقاط خصوصيات هذا الشعر، أعني من دون أن تكون هناك إمكانية لقراءة في لغته تستدرك الخبرات الدفينة في النصوص، وهي خبرات الآفاق البعيدة التي تنهض على أساس من تواريها في السطور وما بينها؛ جماليات شعر لشاعر عربي في مكان أوروبي.

ها نحن إذن في المنفى المزدوج.

جحيمان في أرض واحدة.

هي المنفى.

لسنا هنا بإزاء ميزات معيارية، بمقدار ما نحن بإزاء شقاء خاص. فالشاعر العربي الذي صرف ردحاً طويلاً من الزمن في أوروبا، ليس مثله مثل الشاعر العربي الغريب في دياره. الأخير أقدر في شعره على توليد عناصر الانسجام بين تجربته الذاتية ومحيطه المكاني، بما في ذلك علاقته بالفضاء الإنساني، بينما الأول هو ذاك الذي لم يعد من كان قبل أن يقتلع من أرض طفولته، من شرقه، من فضائه المكاني وكيانه الروحي، ليكون له مدار آخر في عالم آخر، مختلف كلياً هو الغرب.

من الصعب عليّ، هنا، اجتراح معجزة توصيف جامع لوضع الشاعر المنفي. لكنه تداعي الخواطر، وإلحاح الأفكار.

***

في شعر الشاعر المهاجر يمكنك الوقوف على الحس العميق بالاغتراب، لكن النوستالجيا نحو مكان أوّل لا أثر لها هنا، تحتل الغربة الوجودية مساحة الغربة المكانية، أو تدفنها في خبراتها دفناً يجعلها كتيمة الصوت في القصيدة، يتحول الانتماء إلى المكان الأول المتروك إلى انتماء للإنساني الشاسع في مواجهة القدر الوجودي للإنسان.

هنا تولد الرغبات العميقة في حب العالم، حب الاختلاف، من دون أن ينزع هذا الحب العصب الأول، جاذبية المكان الأول، بل يجعل هذا العصب يتوهج، إنما بصفته جذوة في كينونة تتفوق، هذه المرة، بإنسانيتها الشاسعة على العصبيات والألوان والأعراق. وهو ما يضاعف من قوة وشراسة الانتماء إلى الحرية، مرّة بصفتها اليتم الكامل ومرة بصفتهــــــا أرض الاختيار.

وهو ما يجعل الشاعر الكائن الأكثر تمرداً في الأرض، والأكثر دفاعاً عن الجمال. تتحول البلدة الصغيرة التي ولد فيها الشاعر في قصيٍّ من العالم إلى عاصمة للعالم، ويتحول العالم إلى ناحية صغيرة في أرض الحواس.

***

تركت دمشق وكان بردى صبيا شاحبا يتسول حياته قطرات قطرات، والمدينة تترنح تحت سيف الديكتاتورية، والموت كان يتسرب في المسام، وجوه مخطوفة، وهيام موتى. والمقتلة الصامتة تحصد القامات والأرواح.

قلت له:

مادمت لن تمضي معي،

خذني معك

مادمت مدفوعا على حمالة الموتى

ونعشك ضاحك منك

معك

صخرة هاوية

في قلعةٍ هاوية.

ما من شاعر، اليوم، في العالم، أكان منفيا أو مقيما في أرض طفولته، إلا وهو غريب، ولا يملك أن يكون مبتهجاً في ظل فداحة التهدم، وشراسة اللحظة الكونية ومخالفتها الكاسرة للسجية الإنسانية.

الشاعر إنسان كوني في رؤيته للعالم والوجود، وما يحدث لكون الإنسان أنه مهدد بقوى جشعة، أكولة، أسطورية، يعوزنا في توصيفها ما لم يعد القاموس يملك من كلمات.

الشاعر وحده، برؤاه المغامرة، بغضبه، بانحيازه المطلق إلى جانب الحرية ومقاتليها، قادر على اجتراح معجزة العثور على كلمات جديدة.

11