الشعراء يعتلون خشبة المسرح

شخصيات تخرج من الكتب لتحتك بالواقع المادي رغبة في تغيير الحاضر.
الاثنين 2020/06/22
العرض المغربي "امرؤ القيس في باريس".. تجاوز للمكان والزمان

منذ بواكير المسرح العربي، منتصف القرن التاسع عشر، عُني رواده بمسرَحَة سيَر رموز ثقافية لها دلالات قيمية وإبداعية ورسوخ في الوجدان الشعبي والذاكرة الجمعية، فضلا عن شحنتها العاطفية بهدف إظهار الخصال العربية السامية أمام الجمهور أملا في احتذائها والسير على منوال معانيها. ولأن “الشعر لسان العرب” احتفى المسرح العربي بالعديد من رموز الشعر وأعلامه.

حظي الشعراء بقسط وافر من الاهتمام في المسرح العربي، فكتب سليمان القرداحي مسرحية “عنترة العبسي”، وإبراهيم الأحدب مسرحية “ديك الجن” عن الشاعر العباسي ديك الجن الحمصي، وخصّ أبوخليل القباني ثلاثا من مسرحياته لعنترة وامرئ القيس وولّادة بنت المستكفي.

وتُعدّ مسرحيته عن عنترة، وهي بعنوان “عنتر بن شداد”، واحدة من أكثر مسرحياته شهرة، إذ قدّمتها فرقته عشرات المرات في دمشق، والإسكندرية، والقاهرة، وشيكاغو في الولايات المتحدة خلال رحلتها للمشاركة في معرض شيكاغو الكولومبي عام 1893.

عنترة بن شداد

عبدالكريم برشيد: نصوص برشيد لم تخل من كتابات عن عنترة وابن الرومي وامرؤ القيس والمتنبي في سياق المسرح الاحتفالي
عبدالكريم برشيد: نصوص برشيد لم تخل من كتابات عن عنترة وابن الرومي وامرؤ القيس والمتنبي في سياق المسرح الاحتفالي

تروي مسرحية “عنتر بن شداد” لأبوخليل القباني قصة الأمير اليمني مسعود الذي يقع في غرام عبلة منذ أن يراها للمرة الأولى، رغم علمه بأنها زوجة عنترة، فيثور عنترة ورجاله ويردي مسعود قتيلا. لكن مسعودا قبل موته كان قد نجح في تأليب القبائل المتحالفة معه ضد عنترة وقبيلة عبس، فيستعد عنترة لهذه المعركة الكبرى، رغم علمه بضخامة الجيوش التي سيحاربها، فتأتيه بشائر النصر من الأخبار عن توافد قبائل أخرى لنصرته، وتختتم المسرحية بالرقصات المعروفة في مسرح القباني.

وفي العقود الأولى من القرن الماضي ظهرت مجموعة مسرحيات منها “ديك الجن الحمصي”  لنسيب عريضة، “عنترة” لأحمد شوقي، “امرؤ القيس في حرب بني أسد” لعبدالله البستاني، “حياة امرئ القيس بن حجر” لمحمد عبدالمطلب ومحمد عبدالمعطي مرعي، “جميل صدقي الزهاوي” لحسين الهاشمي، “امرؤ القيس بن حجر” لمحمد حسن علاءالدين، و”اليوم خمر” لمحمود تيمور، وهي عن امرئ القيس أيضا.

وواصل كتّاب المسرح في النصف الثاني من القرن الماضي كتابة مسرحيات عديدة أبطالها شعراء، منها:

المسرحية الغنائية “المتنبي” لمنصور الرحباني، ومسرحيات الكاتب العراقي محمد مبارك عن الشعراء المتنبي، المعري، عروة بن الورد وأمية بن أبي الصلت، معتمدا منظورا طبقيا، انطلاقا من أن أفكارها ومشاعرها ومواقفها كانت انعكاسا لواقع الحياة المادية في مجتمعاتها.

وكذلك “محاكمة في نيسابور” لعبدالوهاب البياتي عن الشاعر عمر الخيام، و”الزمن المقتول في دير العاقول” أو “المتنبي” لعادل كاظم، و”دروع امرئ القيس”، و”سيزيف الأندلسيّ” عن الوزيرِ والشاعرِ الأندلسي ابن زيدون لنذير العظمة، ونصوص عبدالكريم برشيد عن عنترة، وابن الرومي وامرؤ القيس والمتنبي في سياق المسرح الاحتفالي.

شعراء برشيد

غنام غنام مسرح سيرة الشاعر بدر شاكر السياب
غنام غنام مسرح سيرة الشاعر بدر شاكر السياب

باستثناء المتنبي، الذي احتفظ له عبدالكريم برشيد بمهنة الشاعر ووظيفته، فإن الشخصيات الأخرى غير موجودة كشخصيات لشعراء، فعنترة موجود كشخصية مريضة بائسة مدمرة في زمن مدمر، وابن الرومي موجود كإنسان عاشق للجمال، في زمن الغنى، ولكنه يعيش البؤس بشكل فظيع، أما المتنبي فهو موجود في المسرحية من خلال لياليه الثلاث التي أصيب فيها بالحمى، ومن ثم فإن المسرحية كلها عبارة عن هلوسات وهذيان وعربدة نفسية وروحية ووجدانية وفكرية.

لذلك فالأساس في هذه المسرحية ليس تصوير المتنبي الشاعر، بل عن الجانب الخفي في شخصيته، معاناته مع الناس والمتشاعرين والأعداء والحاسدين والحاقدين، وكل ذلك هو الذي يتراءى له في ساعة الحمى، ومن ثمّ يعبّر عنه بصور شعرية سريالية بالدرجة الأولى عندما لا يعبّر ولا يرى الواقع بحجمه ولا بألوانه، ولا بشخصياته ولا بزمنيته الواقعية والمادية والحسية.

ويرى برشيد أن امرأ القيس يمكن أن يكون في باريس، ومن حق ابن الرومي أن يوجد في الدار البيضاء، وأن يتجوّل المتنبي في الشوارع العربية، لأن هذه الشخصيات أساسا لا توجد في الكتب فقط، بل توجد في المخيلة العربية، فهي تعيش معنا، وتقاسمنا نفس الرؤية والحالة والموقف.

عرار ودرويش

مسرَحَ ثلاثة كتّاب أردنيين سيرة الشاعر الأردني عرار (مصطفى وهبي التل) هم خالد الطريفي، مفلح العدوان، وعبدالكريم الجراح، في معالجات درامية لحياته وشخصيته المتصعلكة، الثائرة، المتمردة، المرفوضة، المقصية والرافضة، والشاهدة بالشعر على حالات الانكسار والظلم وحب الوطن، ومقاومة الاحتلالين العثماني والبريطاني، والمنذورة بحثا عن العدالة الممكنة والحرية والمساواة.

مغامرات وجودية
مغامرات وجودية

كما مسرَح الكاتب والمخرج غنام غنام سيرة الشاعر بدر شاكر السياب في نص بعنوان “السياب يعيش مرتين”، قدّم فيه شهادة على نصف قرن من الحروب والأسلحة والأنين التي عاشتها المنطقة، وأصغى لها السياب بشاعريته الرائية، وبنى حبكته بأسلوب رمزي ليشير إلى الوضع الذي يعيشه العراق، صورة الحرب من خلال الغارات المتتالية، وفداحة المأساة وتأثيرها حتى في الموتى.

بعد رحيل محمود درويش كان من المتوقّع أن يتجه المسرح العربي إلى تقديم سيرة حياته، لا بوصفه شاعرا كبيرا فحسب، بل رمزا للروح الفلسطينية المقاومة، وللدفاع عن الحرية والجمال والحياة، وللثقافة العربية المعاصرة وامتدادها الإنساني.

وجاءت المبادرة عقب رحيله بثلاثة أسابيع متمثلة بعرض مونودرامي عنوانه “حنين” كتب نصه ومثله عبدالغني الجعبري، وأنتجه مسرح الأحلام في مدينة الخليل الفلسطينية. ثم تلاه عرض ثان في عمّان عن الفترة المبكّرة من حياة الشاعر بعنوان “لقاء الريح”، كتبت نصه فائزة اليحيى السفاريني، وأخرجه عصام سميح البلبيسي.

وتتوزّع أحداث العرض إلى أكثر من عشر لوحات أو مشاهد، ويجري القسم الأول منها في قرية البروة، مسقط رأس محمود درويش، ويبدأ من لحظة ولادة الشاعر في مشهد بصري إيحائي، حيث يُقذف إلى وسط الخشبة طفل من بين ستارة سوداء تغلّف إطار باب، وما إن يقف على قدميه حتى يجري اختزال للزمن فيبدو في عمر ست سنين، وحوله يمر فضاء القرية الصغير، الذي يرمز لفضاء أكبر هو فلسطين، بحدث مزلزل هو حدث النكبة، ويجد نفسه برفقة أبيه في قلب المأساة، مأساة النازحين والمهجّرين.

وفي مشاهد لاحقة يعود درويش إلى فلسطين متخفيا، وقد أصبح صبيا، ليجد قريته قد دمّرها الصهاينة، فيذهب مع أسرته إلى قرية الجديدة، ثم إلى قرية دير الأسد، وهناك يبدأ تعليمه الابتدائي من دون علم سلطات الاحتلال لأنه يخشى أن يتعرّض إلى النفي مرة أخرى إذا علمت بأمر تسلّله.

تبدأ المواجهة بينه وبين الاحتلال في هذه المرحلة من حياته حينما يلقي قصيدة في المدرسة أمام الضابط الإسرائيلي عن اللجوء في ذكرى اغتصاب الصهاينة لوطنه. وتثير القصيدة غضب الضابط فيلقي بدرويش في زنزانة، ثم يهدّده بحرمانه من الدراسة وسحب رخصة العمل من أبيه، لكنه يظل صامدا ولا يساوم. ويتعرّض في ما بعد إلى الاعتقال خمس مرات بسبب سفره من حيفا إلى القدس بلا إذن من سلطة الاحتلال.

لوركا ورامبو

سيرة ومسيرة محمود درويش الشعرية ألهمت العديد من المسرحيين العرب
سيرة ومسيرة محمود درويش الشعرية ألهمت العديد من المسرحيين العرب

لم تغب رموز الشعر العالمي عن اهتمام كتّاب المسرح العربي ومخرجيه، خاصة الإسباني لوركا، والفرنسي رامبو، فكتب جليل القيسي مسرحية بعنوان “الليلة الأخيرة للوركا في بنيرنار”، تدور أحداثها في الليلة الأولى من ليالي الظلام الطويلة في إسبانيا، وطن الشاعر، خلال انقلاب الجنرال الطاغية فرانكو، وبدء الحرب الأهلية، وتستعيد جريمة إعدام لوركا، الرمز الثوري الذي رفض السلطة الملكية، والنظام الاقتصادي الممثل بالاقطاع، والنظام الاجتماعي، وهيمنة رجال الدين المنتفعين من السلطات، ووعاظ السلاطين.كما تجسّد المسرحية انضمام الشباب وتأييدهم للثورة، ليس في إسبانيا فقط بل في العديد من أنحاء العالم.

وحضر رامبو في أكثر من مسرحية، منها مسرحية “رامبو.. الأزهار والألم”، التي كتبها وأخرجها العراقي حسين علوان في عمّان عام 1996، وهي تتألف من ثلاثة مشاهد، يجري الأول في غرفة مستشفى بمرسيليا، حيث يرقد رامبو على السرير مبتور الساق، وعكازه جنبه، ترافقه أخته إيزابيل، ويزوره طيفا أمه، وصديقه الشاعر فرلين. ويستذكر رامبو في هذا المشهد رحلته إلى إثيوبيا، ومغامراته الوجودية، وعلاقته بصديقه في شارلفيل قبل عشرين عاما، ومعاناته الشديدة بعد بتر ساقه.

ويدور المشهد الثاني في غرفة فندق ببروكسيل، حيث يحاول فرلين إقناع رامبو بألا يتركه ويعود إلى باريس، ويصل الخلاف بينهما إلى ذروته حينما يطلق فرلين رصاصة من مسدسه فتصيب يد رامبو. أما المشهد الثالث فهو عودة إلى المستشفى ويبدو فيه رامبو وكأنه استفاق لتوّه من كابوس مرعب.

وقدم المسرح الوطني التونسي عرضا بعنوان “عدن.. عدن”، تأليف وسينوغرافيا وإخراج حسن المؤذن. أتيحت لي فرصة مشاهدته في أيام قرطاج المسرحية عام 1999. يبدأ العرض من اللحظة التي كان فيها الشاعر على فراش المرض يتهيأ للموت بقلب غير واجف، أعزل إلاّ من التجديف والشهوة والرغبة اللانهائية في الامتلاك، على الرغم من أنه مقتنع بأن مغامراته الوجودية قد أشرفت على نهايتها الفاشلة، وبخاصة أن ساقه قد بترت، والمرض أخذ من جسده كل مأخذ.

شاعر الأردن عرار تمت مسرحة حياته وشخصيته الثائرة، والشاهدة بالشعر على حالات الانكسار
شاعر الأردن عرار تمت مسرحة حياته وشخصيته الثائرة والشاهدة بالشعر على حالات الانكسار 

وتواصلا مع ذاته المتمردة التي اختبرت معاناة الكلمة، وجراحات الواقع، وعذابات الروح، فإن رامبو يتأهّب للوداع الأخير رافضا إلحاح القساوسة على الاعتراف، والصلاة للرب، ساخرا من كهنوتهم ودعاواهم، وإلى جانبه أخته إيزابيل التي تطلب له الغفران، وترجوه الإصغاء إلى نداء القساوسة الذين استدعتهم لكي لا ينتهي نهاية وثنية.

وثمة مسرحيتان أخريان عن رامبو، الأولى بعنوان “كائنات آرثور رامبو” للكاتب العراقي خالد جمعة، وهي ذات منحى سريالي تتألّف من مشهد واحد وشخصيتين هما رامبو وأخته إزابيل، وفيها يظهر الشاعر ممدّدا يتلوّى على عربة نقالة مغطاة بشرشف، تدفعها أخته، وكأنه هارب من المستشفى، بعد أن أصابه صديق الشاعر فرلين برصاصة، وبجانب العربة عمود متحرك يحمل قنينة دم.

ويطلب رامبو من إيزابيل أن تكتب رسالة وتبعثها إلى عنوانه، لكنها تجيبه بأنها لا تستطيع لأن العربة ثقيلة، محملة بالكتب والجبال والصحارى والساحرات والحوريات والأسلحة والعبيد.

أما الثانية فهي للشاعر والكاتب المسرحي العراقي عبدالرزاق الربيعي بعنوان “ضجة في منزل باردي”، مسرَحَ  فيها مرحلة واحدة في حياة رامبو، وعلاقته بفرلين. والطريف في هذه أن شخصية رامبو لا تظهر ولا يُذكر اسمه في المسرحية، بل يرد ذكره بوصفه شاعرا، في حين نسمع مقاطع من شعره على لسان بطل المسرحية (الرجل= فرلين) الذي يقرأ في مخطوطة ديوانه “فصل في الجحيم”.

ثم يبدأ باستذكار صديقه حينما استضافه في منزله بباريس، فاحتفت به عروسه كثيرا أمام أنظاره، ونشأت بينهما علاقة ما نكتشف طبيعتها في نهاية المسرحية. وذات يوم يتشاجر الصديقان، ويطلق الرجل رصاصة على الشاعر ويصيبه في يده، فتحكم عليه المحكمة حضوريا بالسجن سنتين مع الأشغال الشاقة.

وعلى الرغم من شفاء الشاعر فإن جرح الرجل لم يندمل، وظل بعد خروجه من السجن يبحث عنه وعن عروسه حتى وصل إلى هذا المكان المهجور “باردي” في عدن، وهو بيت نابت على البحر، مخضب برائحة السمك والحبوب والذكريات.

أخيرا، لا بدّ من الإشارة إلى أن أغلب كتّاب النصوص المسرحية التي مرّ ذكرها انطلق من سيَر الشعراء الذين دارت الأحداث حولهم، على عكس النصوص التي تستند إلى فكرة ما أو حدث ما أو تنطلق من حالة ما تهيمن على مخيلة الكاتب.

وإذا كان بعضها أمينا على تلك السيَر، مع تكثيفها حسب مقتضيات المسرح، فإن بعضها الآخر مسرَح شخصياتها من منظور الكاتب أو رؤيته لها، فكانت لشطحات خياله حضور كبير في رسم أفعالها وأبعادها النفسية والاجتماعية والفكرية.

بالإضافة إلى إسقاطها على شخصيات ومواقف وحالات معاصرة، أو ربطها بالحاضر، الأمر الذي يتيح للنقاد والمتلقين، مثلما يتيح للمخرجين، فرصة قراءتها وتأويلها وفقا لرؤى مختلفة.

17