الشعر أكثر الفنون شراسة يتمسك بالحي وبالميت

تبقى الكتابة مرتبطة دائما بحدث قادح في حياة الكاتب، وفي الغالب يكون هذا الحدث القادح وليد فترة الطفولة التي تمثل خزانا لكل مبدع، ثم يقود الوعي مبدعه إلى غمار التجربة، التي لا تكفي الموهبة وحدها لنحتها. “العرب” التقت الكاتب والشاعر السوري إبراهيم قعدوني في حديث حول تجربته التي ينحتها بتأن بعيدا عن البهرج.
الاثنين 2016/08/29
أعيد اكتشاف نفسي بمرور الوقت

في منفاه الاختياري اللندني، يقيم الكاتب والشاعر السوري إبراهيم قعدوني، ذلك الكاتب الذي يعرف قراؤه جيدا لغته الساحرة، وعمق أفكاره، وجرأته العالية، إضافة إلى ثقافته الرفيعة. إبراهيم قعدوني الشاعر والمترجم وكاتب الرأي، كتب في العديد من المواقع الثقافية والصحف العربية، كما عمل في صحيفة “جدار” الإلكترونية التي كان لها نصيب الأسد من تاريخه الصحافي قبل توقفها.

طفولة الكلمات

في عمر السبع سنوات بدأ إبراهيم قعدوني الكتابة، ربما كان ذلك أول تماس له مع الحزن، حيث وجد نفسه في حالة فقدان هو وعائلته إثر وفاة أحد أقرباء العائلة آنذاك، هكذا يتذكر ضيفنا، قصيدته الأولى التي كتبت من وحي تلك الحادثة، حيث تورط في الكلمات منذ ذلك الحين وتعلّق بالكتابة.

يقول الشاعر “جلست إلى جوار أمّي وسط حلقة من نساء نادبات، كان عمري على ما أذكر سبع سنوات إن لم يكن ستّا. في اليوم التالي خرجت بـ’مرثيّة شعريّة’ ورحت ألقيها على الحزانى حتى انقضت أربعين ذلك العزاء الأول، ونسيناه فيما دلَفنا أحزانا أخرى. بعد ذلك كنت أجد في مادة ‘التعبير’ في المدرسة مادتي المفضّلة ألاعب فيها الحرف والكلمات بمتعة لا تضاهى، ومع الوقت تطوّرت هذه اللعبة كاستجابة طبيعية للميول لأجد نفسي أمام أول نصّ بملامح شعرية وذلك في سن السادسة عشرة تقريباً”.

يتابع ضيفنا “عند تلك اللحظة أدركت أنني أميل إلى رصد العالم الخارجي وعالمي الداخلي كتابة أكثر من أي شيء آخر، وهنا اندفعت نحو القراءة والكتابة في الاتجاه ذاته”.

أما عن رؤية قعدوني لنفسه، تلك المسألة المرهقة التي يتحاشى الكثير من الناس أو الكتّاب الخوض فيها، فنتذكر جبران خليل جبران في هذا السياق، حيث قال “ما عييت إلا أمام من سألني من أنا”، إذ يقول إبراهيم قعدوني محاولا التحدث عن ذاته “لم أعتد قطُّ أن أنظر إلى نفسي في سياق رسمي، ولا حتى في الحدود الدنيا، لذا يبدو أنني أتعمّد الهروب من هذا السؤال أو تقديم إجابة مراوغة، غير أنني أستعير بعض الجرأة التي لا تخلو من التهوّر لأقول إنني أجد نفسي مختلفا عن أي شخص آخر، على اعتبار أنني أنا ذاتي وهذا ما أجهد دوما في أن أكونه دون ادعاء يذكر. أنا شخصٌ ناريّ كما يقول الفلك على الأقل، أعيد اكتشاف نفسي بمرور الوقت وأجد دوما ما يستحق إعادة النظر، لست ثابتا ويبدو أنه يصعب عليّ ذلك”.
ما يبعث على الأسى في الثقافة العربية اليوم أنها ملحقة بالسياسي والإعلامي، هي تابعة بدل أن تكون رأس قاطرة

كما يتحدث الكاتب الضيف عن تجربته في الكتابة، أو ربما عن طقوس الكتابة لديه، إذ يعتبر أن الكتابة دربة ومران، هو الذي يكتب في لحظة شديدة التوتر والخصوصية، وفق تعبيره، يقول “هي لحظة يمكنني نعتها بالفصامية حين أنظر إليها من مسافة أمان، إلاّ أنني بدأت مؤخرا وبقصدية واعية أحاول الكتابة باسترخاء أعلى، ولذلك صلة مباشرة بسيرورتنا الشخصية والثقافية والمعرفية كذلك”.

ثم يتطرق قعدوني إلى الحديث عن تجربته البسيطة، وفق كلامه، حيث شكلت ذاته وهواجسها الدافع الأساس لفكرة الكتابة، إذ يقول “مع الوقت نصبح أكثر تأمّليّة وانفتاحا على العالم الخارجي، يتغيّر الموضوع أو ينزاح إذ تبدأ الذات بإقرار تواضعها وارتباطها الذي لا مفرّ منه بهذا العالم المفكّك. بالنسبة إلي كل ما حولي يحرّض على الكتابة وأحيانا تكون كتابتي ناقصة/غير مكتملة إذ أكتب في داخلي، تكتب العين وتكتب النفس وتكتب الذاكرة، يتوّج ذلك بنصّ خارج منك، ولا أفلح دوما في هذا الإخراج إذ فرض نمط حياتي منذ عقد تقريبا أن أكون مكرّسا لاستحقاقات معيشيّة، دفعت بالنص إلى موقع متأخر عنها. لقد أخطأت ولست متأكدا مما إذا كان اعترافي سيفيدني كثيرا أم لا”.

الكتابة والشعر

يقول إبراهيم قعدوني “الشعر أحد أكثر الفنون شراسة؛ يتوسّل الأبدية ويتمسك بالأشياء الحيّة والميتة”. هو الذي كانت خطواته الأولى في الكتابة مع الشعر، حيث يرى فيه وفق تعبيره “تكثيفا للعالم والتفافا يائسا -إنما رشيقا- على بداهة الوقت وحتمية نهايته”. ويستطرد قائلا “في أرشيفي المتناثر العشرات من المحاولات أو لنقل النصوص، تأخرت في نشرها لأسباب معقدة أختصرها عادة بكسلي الشخصي وبمطالبة نفسي بما لا أعرفه، كان هنالك إنكار ذاتي دائم بأنّ ما أنتظره شيء آخر، كتابة أخرى، ومع الوقت تحولت تلك النصوص إلى جثث حيّة، لم أدفنها دفنا يليق بالموت ولم أعاملها معاملة الأحياء، ولكن أحاول مؤخرا بعد انتقالي إلى منفاي الطوعي أن أجد الوقت اللازم لإتمام ما تأخر. أعد نفسي بكتاب قادم. ثم إن الكتابة ممارسة وفعل إبداعي متأت من وعي وقصدية، ولا أعتقد أنّ ثمّة وظائفية محددة لهذا الفعل الشاسع لممارسة الوجود”.

ويضيف “لربما تساعد الكتابة، في ما تساعد، في تخطّي حدود ما وبإمكانها أن تكون مأزقا آخر، يخبرنا الماضي غير البعيد عن كتّاب أدت بهم الكتابة إلى الجنون والانتحار، لديك على سبيل المثال فيرجينا وولف وسيلفيا بلاث وأخريات وآخرون. الكتابة هنا إن كان لنا أن نتأمّل في كنهها أقرب لأن تكون أداة للفكر ورافعة الداخل البشريّ وهنا تكمن حساسيتها وخطورتها أيضا”.

الكتابة لحظة فصامية لكنها أقرب لأن تكون أداة للفكر ورافعة للداخل البشري، وهنا تكمن حساسيتها وخطورتها

أما عن رؤيته للكتابة كفن وكرؤية فيشرح ضيفنا بالقول إنه بالغ في الانفتاح على الكتابة التي تقع خارج منظومة الأشكال السائدة والمقرّرة، ولا يرى العالم ساكنا فنّيا كي ترضخ الكتابة لشروط فنية ثابتة، فنحن نستيقظ كل صباح بمزاج مختلف، لذا يتساءل لماذا لا ينسحب ذلك على الفنّ وتلقّينا له؟

وبخصوص حرية الكاتب وبالتالي كتاباته فيقول إبراهيم قعدوني لـ”العرب” إنه يتعيّن على الكاتب أن يحفظ نفسه خارج الأيديولوجيا وحقولها بالدرجة الأولى، وإن كان له أن يبقى خارج تجاذبات السياسة واشتغالاتها الحركية المباشرة، فقد حصّن نفسه ضدّ آفتين. ويشدد على أنه ليس لزاما على الكاتب أن يكون انتحاريا أو أن يحارب طواحين هواء.

وعن الثقافة العربية يلفت قعدوني إلى أنها وصلت حيث وصلنا، متسائلا أليست الثقافة صورة للأمة؟ ويشير ضيفنا إلى أنه حين يتعلق الأمر بمسؤوليات المثقف فهو غرامشي الهوى، ليس على نحو أيديولوجي، إنما لجهة جسامة الواجب الأخلاقي الذي يفترض بالمثقف أن ينهض به، واجب “الإصلاح الثقافي والأخلاقي”. ويستطرد “ما يبعث على الأسى في الثقافة العربية اليوم أنها ملحقة بالسياسي والإعلامي، هي تابع بدل أن تكون رأس قاطرة، ذلك واقع محزن”.

وفي ختام الحوار يتحدث الشاعر عن موطنه السوري، عن تلك البلاد التي لا يستطيع نسيانها ساعة واحدة، يقول “المشهد السوري اليوم كأنه لوحة لسيلفادور دالي، لم تعد لدينا القدرة على مواكبة ما يحصل، على كافة المستويات، نحن ضحايا بطريقة غير مباشرة، كالمدخنين السلبيين، أنا شبه يائس على الرغم من تفاؤلي الدائم بأنّ هذا الشعب الذي خسر كلّ شيء لن يتراجع عن مطالبه الأساسية المتمثلة أساسا في الحرية والكرامة رغم كل التفسّخ الذي أصاب الجسد السوري ورغم كل هذا التكالب على قضيّته العادلة”.

15