الشعر الجنوب أفريقي توق للحرية والحفاظ على الهوية

المترجم بسام جوهر ينتقي مختارات لشعراء أفارقة قاوموا الاستعمار باللغة والقصائد، ويؤكد أن بعض الشعراء كتب سطرًا أو سطرين بلغة الزولو كنوع من إثبات الهوية.
الاثنين 2019/06/10
زينزي مانديلا صوت شعري على درب والدها

لم تكن آثار الاستعمار فقط ملموسة في نهبه للثروات، بل كان له دور أكثر خطورة تمثل في محو هويات الشعوب التي يحتلها، من خلال اقتلاع لغاتها وثقافاتها. ووقف الشعر جنديا في طليعة المتصدين لهذا، فالشعر لغة واللغة هوية، لذا نجد مثلا الشعر الجنوب الأفريقي حتى وهو مفروض عليه أن يكتب بغير لغته، شعرا مقاوما لا يحيد عن حقوق الشعوب الأفريقية في الدفاع عن أراضيها وفي نيل حياة كريمة.

عشرون شاعرا من أبرز وأهم الشعراء في المشهد الشعري بجنوب أفريقيا تضمهم المختارات التي انتقاها الشاعر والمترجم بسام جوهر، وقد اختار لهم أجمل القصائد التي تركز على مأساة الاستعمار وتأثيرها على الشعوب وحضاراتها، وترتبط بالتوق إلى الحرية وترفض العنصرية وتدعو إلى التشبث بالهوية والخصوصية الثقافية، داعيا كل قارئ إلى إبداء رأيه الذي سيعيد خلق النص ويجدّد تألقه في ذائقة الآخر، ما يمنحه أجنحة تطيّره إلى عوالم الثقافات الأخرى وخطابات الآخر النقدية، حيث النص يخرج من أنامل المبدع، ويغدو ملكا للمتلقي.

وقد افتتحها بقصيدة “موطني” المهداة إلى الزعيم نيلسون مانديلا، من ابنته الشاعرة زينزي مانديلا من ديوانها “سوداء كما أنا”.

شعراء تحت الاستعمار

الاستعمار البريطاني خلف استعمارا لغويا وثقافيا
الاستعمار البريطاني خلف استعمارا لغويا وثقافيا

الشعراء الذين ضمتهم المختارات الصادرة عن مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر ليسوا شعراء فقط، بل إن أغلبهم يكتب إلى جانب الشعر الرواية والقصة ويعمل في المجال الثقافي والفكري وبعضهم يحتل مراكز مرموقة دوليا من بينهم: نوكوغينا إيلسي ملوف، إحدى أشهر المناضلات من أجل الحرية في جنوب أفريقيا، وهي ناشطة حقوقية وممثلة وروائية وشاعرة وكاتبة ومسرحية، ومخرجة ومؤلفة. عرفت بتميزها في إلقاء الشعر وقد ركزت في أعمالها الفنية على الفن الحكائي السردي كوسيلة لحفظ التراث وتشجيع الأطفال في جنوب أفريقيا على القراءة. صدرت لها العشرات من القصص والمسرحيات في أربع من لغات جنوب أفريقيا: الإنكليزية، الأفريكانية، الزولو وشوسا.

وأيضا نجد ضمن شعراء المختارات نيس بوليلوا مالانغ، وهي إحدى شاعرات المقاومة الإفريقية. وأيضا كاتبة سيناريو ومديرة مسرح، نظمت عدة ورشات كتابة إبداعية للشباب والأطفال ضحايا العنف والاعتداء، وهي ناشطة في مجال الجنسانية بالإضافة إلى عملها كمستشارة تحرير ومخرجة أفلام. لها أكثر من ثمانية مؤلفات بين دواوين شعر وأعمال إبداعية أخرى.

وهناك أوزوالد م. متشالي الذي كتب باللغتين الإنكليزية والزولو وله مجموعتان شعريتان، وفاز بجائزة الزيتون سكراينر عام 1971 عن ديوانه “يبدو من طبل جلد البقر” وقد حظرت حكومة جنوب أفريقيا كتابه “فيريفليمز” الذي نشر عام 1980 لنصوصه المضادة آنذاك للفصل العنصري.

يقول المترجم بسام جوهر عن اهتمامه بالأدب الجنوب أفريقي “في سنوات دراستي الجامعية وكخطوة أولى نحو التعرّف على الأدب العالمي، بدأت رحلتي مع الأدب الجنوب أفريقي حين هممنا بدراسة أدب ‘دول الكومنولث’، وهي عبارة عن 52 ولاية من ولايات الإمبراطورية البريطانية سابقاً ومنها دولة جنوب أفريقيا، وما تعانيه شعوب هذه الدول خلال العقود الأخيرة. لفت انتباهي القدرة العالية لأدباء جنوب أفريقيا على تصوير معاناتهم بدءا من فترة بدايات استعمارهم من قبل الإمبراطورية البريطانية إلى فترة ما بعد رحيل المستعمر وما خلّفه من استعمار لغوي وثقافي بات يعرّض هوية الجنوب أفريقيين لأزمة وربما لطمس الكثير من معالمها، فأدب الكومنولث مكتوب باللغة الإنكليزية من كتّاب ليسوا بإنكليزيين، إنما شاء الاستعمار أن يكونوا كذلك مكبلا ألسنتهم بالصمت أو بالكتابة بلغته الاستعمارية”.

ويضيف “من هنا بدأت ذائقتي تتلمّس خطواتها على سفح الأدب الجنوب أفريقي وكانت لي خير رفيق نحو مراتع الجمال تُنَقّب عن درره دون التفريق بين أسلوب هذا الكاتب وذاك، ودون التقيّد بزمنٍ معيّن للشعراء، فالشعراء جميعهم سواء إلا من كان صاحب نص جدير بوقفة قلب فاره الأحاسيس وانحناءة ذائقة معلّقة بتتبع أثر الجمال أينما كان ويكون. سيسأل الكثيرون: كيف تم اختيار هذه المجموعة من القصائد؟ وكيف تم ترتيبها؟ ما هي المعايير الفنية التي بموجبها تم الانتقاء؟ وهل ثمة استثناءات زمانية؟”.

ويتابع “الإجابة عن ذلك أن الانتقائية كانت مبنية على النص الذي يفيض إنسانية، النص الذي يدعُو إلى التأمل في العلاقات بين المهيمن والمهمّش والمركز والهامش، فاتحا الأبواب وتركها مشرعة للولوج إلى قضايا إنسانية شائكة تفضي إلى الكثير مما يلاقيه من التحقير والتهميش للإنسان المُستَعمَر الجنوب أفريقي إلى درجة سلبه الحق في أن يعيش. وحتى بعد أن غادر الاستعمار وقد صرخ في الإنسان الأفريقي معيّراً إياه بلونه وسالباً إياه أرضه وعرضه، ثم تاركاً إياه وقد أحدث في ثقافته شرخاً بل صدعاً كبيراً نحو الطمس والتغيير على صعيد اللغة والثقافة والتقاليد والقيم”.

الإنكليزية والزولو

شعراء المقاومة الاستعمارية

يلفت بسام جوهر إلى أن العلاقة أعلاه بين ثنائية المستعمِر والمستعمَـر ومتاهة البحث عن الهوية تتبلور وتبرز في عتبة العنوان “إنسانٌ وبقايا الزولو” لتمثّل أهمية الإنسانية في هذا السياق الوجودي، فهو “إنَّسان” مجرّد من “ال” التعريف، وهذا لا يعني بأنه نكرة بل العكس، هذا كافٍ لأن يكون معرفا بحقوقه في العيش على أرضه دون أن يسلبه إياها الآخر المهيمن القادم من وراء البحار. وما قيمة الإنسان سوى العدم لو لم يحصل على حريته كاملة في موطنه. وإلى الجزء الآخر من عتبة العنوان تظهر أهمية لغة الزولو واضحة ومناديةً بتعريفها وضرورة الحفاظ عليها كلغة أصلية بها امتداد التاريخ للجنوب أفريقيين وكهوية لغوية لهم وكأداةٍ مقاومةٍ للغة الآخر المفروضة قسراً.

ويلاحظ جوهر أن بعض الشعراء كتب سطرًا أو سطرين بلغة الزولو، كنوع من إثبات الهوية وكإبراز للذات الجنوب أفريقية اللغوية المفقودة واختزالها في هذا السطر القصير جداً في خضم بقية الأسطر المكتوبة باللغة الإنكليزية، لغة المستعمِر، والتي أُجبر الشعراء على الكتابة بها.

ويشير إلى أنه كأي مترجم “لاقيت صعوبات قد أصفها بالقليلة في ترجمة هذه المجموعة من القصائد حين فوجئت ببعض الأسطر التي لا تتجاوز عدد الأصابع المكتوبة بلغة الزولو المختلفة تماماً عن اللغة الإنكليزية المكتوبة بها جميع النصوص. سنلاحظ ذلك مثلاُ في نص الشاعرة جينا ملوف، مِمَّا حدا بي إلى القيام بالبحث كثيراً في المواقع الإلكترونية التي تعنى بشؤون الأدب الجنوب أفريقي عن فحوى هذا السطر، ولحسن الحظ وجدت هذا السطر مترجماً إلى اللغة الإنكليزية وبعد التأكد من الشاعرة نفسها، عن طريق التواصل معها، والتي أكّدت على صحة الترجمة إلى اللغة الإنكليزية، ومعناها ‘طرف النهر’ بلغة الزولو. لكنني آثرت ألا أفسد النص وأن أضع العبارة كما هي بحروف عربية ‘نتي نتي ملانجانا’، واحتراما للشاعرة وحرصها على غرسها للجملة بين الجمل المكتوبة بلغة الأجنبي وحفاظها على ديمومة الجملة”.

ويضيف أن الإشكالية الثانية، من وجهة نظري، هي استخدام أكثر الشعراء لعبارات بسيطة جعلته يتوجس خيفة من الوقوع في شرك استسهالها وبالتالي عدم ترجمتها ترجمة شعرية تليق بها. فالشعر الجنوب أفريقي تمت كتابته باللغة الإنكليزية، مثل الشعر البريطاني والأميركي. لكن المسألة هنا مختلفة وهي أن الشعرين الأخيرين كانا يكتبان بأسلوب صعب قليلاً كإخفاء الضمائر التي تساعد على فهم النص مما يضع الناقد نفسه في شرك تعددية فهم النص والوقوع في خيارات عدة. بينما الشعر الجنوب أفريقي يكاد يكون الأكثر سهولة من حيث الصياغة، ولكنه الأغزر معنىً والأعمق من حيث قوة الصور.

ويبدو أن بعض القصائد الشعرية تزخر أيضاً بأحداث تاريخية تم اختزالها من طرف كُتّابها وجعلها على هيئة مرجعية تاريخية تتيح للمتلقي إلقاء نظرة سريعة عن كثب على عرض أهم الأحداث التي تركت جرحاً لا يندمل.

14