الشعر العربي مهدد بالزوال والصورة الشعرية وحدها لا تصنع شعرا

الشعر حالة عاطفية وجدانية تسعى إلى التطور والتكامل وصولا إلى الجمال الذي هو فكرة نقية تطعن في كل ما هو سيّئ وقبيح من حولنا. هذا ما يراه الشاعر العراقي ماجد مطرود، المقيم في بلجيكا التي وصلها منذ عشين عاما، بعد رحلة ماراتونيّة شبيهة برحلات السندباد هاربا من الجور والظلم والاستبداد باحثا عن ملاذ يقيه شرهما، “العرب” زارت الشاعر في بيته وكان لنا معه هذا الحوار.
الأربعاء 2015/06/17
ماجد مطرود: الشعرية العربية تمر بأزمة حقيقية تهدد وجود الشعر

ماجد مطرود شاعر ولد في ستينات القرن المنصرم يقيم في أنتويربن البلجيكيّة، صدر له خلال تجربته الطويلة العديد من الدواوين الشعرية أبرزها: نافخ الناي 2006، الطوفان في نوحه الأخير 2008، لا شيء هناك 2014، بينما شارك في العديد من الدواوين المشتركة، وتمّت ترجمة بعض أعماله إلى لغات أخرى غير العربية كالهولندية والإنكليزية والفرنسية.

لم يغادروا الكهوف

ما إن تجلس مع الشاعر ماجد مطرود حتى تشعر بتلك الحميميّة للشرق التي يحملها في ملامحه العربيّة، له رحلة اعتقالات طويلة تبدأ من الزنازن الانفرادية لتمرّ بالأضابير والوشم والتعذيب وتنتهي بمحاكم صورية، إنها السجون العراقيّة المتعددة التي يذكرها بكل تلك التفاصيل التي من الممكن لشاعر أن يختزنها، تفاصيل كثيرة حول طرق التعذيب المبتكرة التي يصفها ساخرا بأنها حالات إبداعية يجب أن يحفظها التاريخ لتتعلم منها الأجيال.

“ما أشبه اليوم بالأمس″، يقول ضيفنا الذي يخاف الظلام بكلّ أشكاله بل يخشى أن يتشظى الظلاميون في كل النفوس فيعقد مقارنة بين دكتاتوري في أقصى اليسار وبين راديكالي في أقصى اليمين، كلاهما يتقاطع مع الآخر، لكنهما يلتقيان في نقطة التطرّف كما أن مصادرة الكلمة وقمع حرية الإنسان في الاختيار صفتان يشتركان فيهما، صورة مزيّفة يحملها كلّ منهما فأي واقع بائس هذا؟ وأية نافذة ضوئية ننتظر؟

يعلن ضيفنا أنّ هذه الأمة بكل أفكارها وبنيتها الفوقية إن لم تنقّ دماؤها من بقايا الغابات والكهوف فلن تنيرها الحضارة ولن تقبلها الحداثة، لهذا كله فهو لا يتفاجأ بضياع مهمّة الشعر كما يفهمها في عملية خلق وإعادة صياغة الكون والحياة، فاليوم يسود التطرّف الذي يصادر ألوان الحياة كلّها، بل ويغلي في النفوس مثل بركان نار يحرقنا بحمم الموت والدمار في كل لحظة، لا شيء غير الخراب، فكيف لشاعر أن يتحدّث عن الحب في لحظة نزيف الرقبة، كيف يتحدث عن محبة الانتماء والرؤوس من حوله تتدحرج، وكيف يتحدث عن الحياة وتفاصيلها هي قنابل لاصقة في حاويات القمامة ومفخخات في الحدائق وجثث طافية فوق مياه الأنهار، “حتى في القصائد نحن نموت بطريقة دموية جدا” هكذا يقول “دماؤنا شارفت على النفاد كما البترول ومدننا تنهار وتتساقط واحدة بعد الأخرى وبلداننا تتفتت مثل شعوبنا بين مئات المسميات التي تجعلنا مثل تجمعات الحيوانات كل حسب فصيلته وقطيعه، ونحن مندهشون وحائرون لا بديل لنا غير أن ننصاع كالخراف، هكذا أمام العالم الذي وقف صامتا يتفرّج على انهيارنا”.

هذه الأمة بكل أفكارها إن لم تنق دماءها من بقايا الغابات والكهوف، فلن تنيرها الحضارة ولن تقبلها الحداثة

ماذا يمكن للشعر أن يفعل في ظلّ كل هذا؟ يتساءل المطرود ثم يقول: إنّ مهمة تنويريّة لا بدّ أن يقوم بها المثقّفون في تنقية خطابهم حذر السقوط، المثقف اليوم كلاعب سيرك يسير على حبل رقيق لا بدّ أن يرسلوا رسائل اعتدال ومحبة للناس جميعا، لا بدّ أن يصنعوا أملا للأجيال وأن يحذروا من مكر السياسات وتخندق المرجعيات في صوامعها وتخلفها.

أداة حياة

بأحاسيس قلقة وناقدة لكل مفهوم خاطئ ومحرضة على طرح أسئلة صعبة وخطيرة، من أجل إعادة صياغة المفاهيم والبحث عن رؤى جمالية جديدة متناغمة مع الكون تدعو للمحبة والسلام، يتابع ضيفنا حديثه الصحافيّ الأوّل ليحدّثنا عن فلسفته الشعرية التي اعتمدت على التجريب حيث يعتقد أن الشعر على مستوى الشكل هو تجريب مستمر لا يتوقف أبدا، فالصورة الشعرية عنده هي روح الشعر ووجدانه فهي ليست الصورة الفوتوغرافية بقدر ما هي الإحساس المفرط والصدق الشديد الذي يتخذ التجريد والاستعارة والرموز والمتناقضات والمترادفات بقالب مكثف وموح ومؤثر وشديد الاختزال، ليسمح للخيال أن يناغي فكرة ما تمسّ وجدان المتلقي وعواطفه، مضيفا أنّ الصورة الشعرية وحدها لا تصنع شعرا ما لم يكن البناء النصي حاضرا وهنا ميّز بشكل واضح بين الخيال والوهم في الصورة الشعريّة، ليصل إلى أنّ الخيال بناء رصين على أسس واقعية مقبولة عقليّا يعتمد على إبراز العلاقات ما بين الأشياء والحقائق الحسية الموجودة.

ماجد مطرود: سيطرة الظلامية على كل شيء تدفعني إلى الانعزال

يرى ماجد مطرود أنّ الشعريّة العربيّة تمرّ بأزمة حقيقيّة تهدّد وجود الشعر في ظل غلبة واضحة للسرد بكلّ أشكاله وهذا ما يفسر دخول عنصر السرد إلى الشعر أو جذب الشعر إلى السرد بقوة هائلة من أجل الاستمرارية والتواصلية، لذلك نجد السرد الآن يكاد يهيمن على مفاصل النص الشعري الحديث.

بكثير من الذكاء يمازج ضيفنا بين الشكل و المضمون ويؤكّد من خلال بساطة الجملة الشعرية وسهولتها دعوة القارئ إلى الدخول في عالم الكتابة والتجريب بواسطة ألفاظ سهلة لكنها عميقة على مستوى الدلالة الشعريّة، ليترك حيّزا من التخيّل المكاني والزماني في مسارات واضحة بعيدا عن تعقيد اللغة في انسياب متسلسل ضمن البناء الشعريّ الذي لا يخضع للقوانين الجاهزة، إنما يخضع لوحدة المضمون وتناغمه كما يرى ضيفنا الذي يعترف ببحثه الدائم عن التوهّج والاتّقاد من خلال الأسئلة الصادمة في الخطاب الشعري.

يقارب ضيفنا بين الشعر والتصوير، بين أحرف الأبجدية وعدسة الكاميرا، يقاطع بينها بذلك القلق لتشكيل صورة جديدة تقترب من الروح الذي يعتبرها معيارا لنجاح النصّ الشعريّ الذي يراه فذّا إن نجح بملامستها، لذلك يسعى لاختزال تاريخ العراق كلّه في جنبات القصيدة ممازجا بين اللحظة والماضي عبر بوابات الزمن المفتوحة في سعيه لاختزال المعنى وتعميقه نحو مداه المفتوح، يعترف ضيفنا أنّه ينتمي إلى الحلم والأمل المفقود في لعبة الكتابة وترجمة النص المنطلق وصولا إلى مضمون جديد غير مطروق من ذي قبل أو في بحثه الدائم عن تشكيلات جديدة لصور شعريّة مختزلة يرسم فيها بالكلمات ما يريد، معتمدا كما يقول على اتحاد العناصر الفنيّة بقيمة جماليّة تتنوّع على مستويات متعددة لإلغاء الفواصل ما بين الأجناس الأدبية فيتداخل السرد مع اللقطة السينمائية مع التشكيل والصورة الشعرية والبلاغية.

هذه الجدّة التي يقول عنها ماجد مطرود إنّها وليدة المعارك مع الحياة، تلك المعارك التي خاضها على ساق واحدة في مواجهة الدكتاتوريّات المتعدّدة وهو اليوم ينظر بأسى إلى وطنه وحال الشعر العربي، الذي يؤكّد وجود حالات إبداعية هنا وهناك تحاول النهوض من جديد بالواقع العام ولكن يقينه في سيطرة الظلاميّة على كلّ شيء يدفعه إلى الانعزال والبقاء ضمن تجربته الشعريّة التي تعتمد على الحياة وتفاصيلها التي يلتقطها بعناية فيوظّفها في سياق جديد.

15